ثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد بن دومع ؛ وهو فرعون يوسف عليه السلام ، والقبط تسميه نهراوش « 1 » ، وجلس على سرير الملك . وكان عظيم الخلق ، جميل الوجه ، عاقلا متمكنا ؛ فتكلم ومنّى الناس وضمن لهم الإحسان وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين ، فأثنوا عليه وشكروه ، وأمر بفتح الخزائن وفرّق ما فيها على الخاصّ والعامّ ، وتمكنت منه أريحيّة الصّبا فملَّك على الرعية رجلا من أهل بيته يقال له أطفين ، وقيل في اسمه : قطفير ، وقيل : قوطيفر ، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز . وكان من أولاد الوزراء . وكان عاقلا أديبا متمكنا صائب الرأي كثير النزاهة مستعملا للعدل والعمارة والإصلاح . وأمر الريان أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه ويغدو ويروح إلى باب الملك ، ويخرج بجميع الوزراء والعمال والكتاب بين يديه ؛ فكفى الريّان ما خلف سريره « 2 » وقام بجميع أمره وأخلاه للذّاته ؛ فأقام الريان منعكفا على قصفه ولهوه منغمسا في لذّته لا ينظر في عمل ولا يظهر للناس ولا يخاطبهم ، فأقاموا بذلك حينا . هذا والبلد عامر .
وبلغ الخراج في وقته سبعة وتسعين ألف ألف مثقال فجعلها أقساما ، فما كان للملك وأسبابه وموائده حمل إليه ، وما كان في أرزاق الجيش والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصالح البلد وأهل المهنة صرف إليهم ، والملك مع ذلك غير سائل عن شئ ؛ قد عملت له مجالس من الزجاج الملوّن وأجرى حولها الماء وأرسلت فيها الأسماك المقرّطة ، فكانت الشمس إذا وقعت على المجلس منها أرسل شعاعا عجيبا يبهر العيون .
وعملت له عدّة متنزهات على عدد أيام السنة ، فكان كل يوم في موضع منها ، وفى كل موضع منها من الفرش والآنية والآلات ما ليس في غيره .
هامش
« 1 » هو أحد العمالقة ، وكان أقوى أهل الأرض في زمانه وأعظم ملكا . والعمالقة : ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ( راجع المقريزي ) .
« 2 » في المقريزي : « ما خلف ستره » .