تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
فلم يرزقه اللَّه ولدا غير ابنته حوريا ، وكانت عاقلة حكيمة تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء ، فأبغضته وأبغضه الخلق : الخاص والعام . فلما رأت أمره يزيد خافت على زوال ملكهم فسمّته فهلك . وكان ملكه سبعين سنة . ولما مات اختلفوا فيمن يملَّكوه عليهم بعده فقالوا : لا يملَّك علينا أحد من أهل بيته ، وأرادوا تمليك بعض ولد أتريب ؛ فقام بعض الوزراء ودعا إلى تمليك ابنته لصنيعها فيه ، ولما كانت تنكر عليه ، وتبعه أكثر القوّاد والوجوه فتمّ لها الأمر . وملكت حوريا بنة طوطيس وجلست على سرير الملك ، ووعدت الناس بالإحسان ، وأخذت في جمع الأموال وحفظها ، فاجتمع لها من الأموال والجوهر والحلىّ والطيب ما لم يجتمع لملك ، وقدّمت الكهنة وأهل الحكمة ورؤساء السّحرة ورفعت أقدارهم ، وأمرت بتجديد الهياكل وتعظيمها . وسار من لم يرضها إلى مدينة أتريب وملَّكوا عليهم رجلا من ولد أتريب يقال له أنداخس ؛ فعقد على رأسه تاجا وانضمّ إليه جماعة من بنى عمه وأهل بيته ، فأنفذت إليه جيشا فحاربه ؛ فلما رأى أنه لا طاقة له بها دعاها إلى الصلح وخطبها إلى نفسه وقال لها : إن الملك لا يقوم بالنساء ، وخوّفها أن يزول ملكهم بمكانها ؛ فعملت صنيعا وأمرت أن يحضره الناس على منازلهم ، فحضروا وأكلوا وشربوا وبذلت لهم الأموال وعرّفتهم ما جرى من خطبتها ، فبعض صوّب الرأي ، وبعض امتنع وقالوا : لا يتولَّى علينا غيرها لمعرفتنا بعقلها وحكمتها ، وهى وارثة الملك ؛ ووثبوا على نفر ممن خالفها فقتلوهم ، وخرجوا في جيش كثيف فلقوا جيش الخارج بأتريب فهزموه وقتلوا كثيرا من أصحابه ، فهرب إلى أرض الشام وبها الكنعانيون من ولد عمليق ، فاستغاث بملكهم وضمن له أخذ مصر وفتحها ، فجهزه بجيش عظيم إلى مصر ، فاجتمع الناس كلهم إلى حوريا ، ففتحت خزائن أبيها وفرّقت ما فيها على الناس فأحبّوها ، وقوّت السحرة بالمال ووعدتهم الإحسان .