أرى عجبا ، خلقة ملقاة على هذه السفينة ، فلو اختطفتيها وحملتيها إلى وكرى هذا ، فأنظر وأستأنس بها ، كان أحبّ إلىّ من كينونتك عندي نهارا وإمساكك عنى خبر سليمان . فرجعت العنقاء فوجدتها في مثل حالها ، وشغل سليمان عنها ، فلم تصل إليه في استئذانها إيّاه بالمقام يوما في منزلها . فقالت لها : إن نبىّ اللَّه شغل عنى اليوم بالحكم بين الآدميين فلم أصل اليه . قالت لها : فإنّى لا أريد أن تتخلَّفى عنه نهارا لمكان أخبار سليمان ، وإني أرى في البحر عجبا ، شيئا مرتفعا ما هو ؟ قالت العنقاء :
هذه سفينة قوم سيّارة ركبوا البحر . قالت : فما هذا الذي أرى ملقى على رأس هذه السفينة ؟ قالت : كأنه ميتة رموها . قالت : فاحمليها إلىّ لأستأنس بها وأنظر إليها .
فانقضّت العنقاء فاختطفت الفرس والغلام في بطنها فحملتها إلى عشّها . فقالت :
يا أمّاه ، ما أحسن هذا ! وضحكت ، ففرحت العنقاء بذلك وقالت : يا بنيّة ، لو علمت لقد كنت آتيك بمثل هذا منذ حين . ثم طارت العنقاء إلى نوبتها إلى سليمان ، وخرج الغلام من جوف الفرس فلاعبها ومسّها ولا مسها وافتضّها فأحبلها ، وفرح كل واحد منهما بصاحبه واستأنس به .
وجاء الخبر إلى سليمان باجتماعهما من قبل الريح ، ووافت العنقاء ، وكان مجلس سليمان يومئذ مجلس الطير ؛ فدعا بعرفاء الطير وأمرهم ألَّا يدعوا طائرا إلا حشروه ، ففعلوا ؛ ثم أمر عرفاء الجنّ فحشروا الجنّ من ساكنى البحار والجزائر والهواء والفلوات والأمصار ، ففعلوا وحشروهم ، وأحضروا الإنس وكل دابّة ، واشتدّ الخوف وقالوا : نشهد باللَّه أن لنبىّ اللَّه أمرا قد أهمّه . فأوّل سهم خرج في تقديم الطير سهم الحدأة ، وكانت الطير لا تتقدّم إلا بسهام ، فتقدّمت الحدأة واستعدت على زوجها ، وكان قد جحدها ولدها ، فقالت : يا نبىّ اللَّه ، إنه سفدنى ، حتى احتضنت بيضى وأخرجت ولدى جحدني . فأمر سليمان بولدها فأتى به ، فوجد الشبه واحدا ،
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 90
مساهمون: النويري
ص٩٠