تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
والشراب ، وركب ومرّ في البحر يتصيّد ويتلذذ لا يعرف شيئا غير ذلك ، حتى سار مسيرة شهر ، فأرسل اللَّه تعالى على سفينته ريحا عاصفا خفيفة ساقتها حتى وصلت بها إلى جبل العنقاء الذي فيه الجارية ، وذلك مسيرة خمسين سنة في خمسين ليلة ، ثم ركدت سفينته بإذن اللَّه تعالى ، وأصبح الغلام فرأى سفينته راكدة ، فأخرج رأسه من السفينة ، فرأى الجبل وهو في لون الزعفران [ صفرة « 1 » ] ، وطوله لا يدرى أين منتهاه ولا عرضه ، ورأى الشجرة فإذا هي كثيرة الأغصان والورق ، ورقها عرض آذان الفيلة ليس لها ثمر ، بيضاء الساق ، فقال : إني أرى عجبا ، أرى جبلا شاهقا لم أر مثله ، وأرى شجرة حسنة قد أعجبني منظرها . فحرّك سفينته نحو الجبل ، فسمعت الجارية التي في عشّ العنقاء صوت الماء وكلام الناس ، ولم تكن سمعت قبل ذلك شيئا من ذلك ؛ فأخرجت رأسها من العشّ ، فتطلَّعت فرأى الملك صورتها في الماء ، ورأى عجبا من جمالها وكثرة شعرها وذوائبها ؛ فرفع رأسه إلى الشجرة فرأى الجارية ، فأبصر أمرا عظيما فأخذه القلق ، فناداها : من أنت ؟ فأفهمها اللَّه تعالى لغته وقالت : لا أدرى ما تقول ولا من أنت إلا أنى أراك يشبه وجهك وجهي وكلامك كلامي ، وإني لا أعرف شيئا غير العنقاء ، وهى أمي التي ربّتنى وتسمينى بنتها . فقال لها الغلام : وأين العنقاء أمك ؟ قالت : في نوبتها . قال : وما نوبتها ؟ قالت : تغدو كل يوم إلى ملكها سليمان فتسلَّم عليه وتقيم عنده إلى الليل ، ثم تروح وتجيئنى وتحدّثنى بما فعل سليمان وبما حكم وقضى ، وإنه لملك عظيم ، على ما تصف أمي العنقاء ، وإنها تخبرني أنه يشبهني إلا أنها تخبر أنه أحسن وجها وأتمّ منى .
هامش
« 1 » الزيادة عن قصص الأنبياء للكسائى .