تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
قال : فآنذعر الغلام وفزع ، ثم قال : قد عرفته ، هو الذي قتل أبى وسبى ذرّيته ، وإني لمن طلقائه وممن يؤدّى إليه الخراج ، ورسله الطير والرياح ، ثم بكى الغلام . فقالت الجارية : وما يبكيك ؟ قال : أبكى على وحدتك في مثل هذا الموضع الذي ليس به أنيس ولا أحد ، وإن مثلك في الدنيا عدد الشجر والمدر ، وكلهم في مقاصير الذهب والفضة والعيش الهنئ والَّلذة الحسنة مع الأزواج يتعانقون ويتنّعمون ، ويتوالدون أولادا مثل خلقتك وخلقتى ، أرأيت إن هاجت الريح وأزعجتك من وكرك من يمسكك أن تقعى في البحر ؛ فإن وقعت في البحر فمن ذا الذي يخرجك . قال : ففزعت من قوله وقالت : وكيف لي أن يكون معي إنسىّ مثلك يحدّثنى مثل حديثك ، ويحفظنى من خوف ما ذكرت . فقال لها الغلام : أولا تعلمين أن اللَّه الذي اتخذ سليمان نبيّا وسخّر له الطير والرياح هو الذي رحمك وساقنى إليك إلفا وصاحبا وأنيسا ، وأنى من أبناء الملوك . قالت الجارية : وكيف تصير إلىّ وأصير إليك ، وهذه العنقاء تنام وتحضننى إلى صدرها بين جناحيها ؟ قال الغلام : تكثرين جزعك ووحشتك وبكاءك على العنقاء ليلتك هذه إذا انصرفت إليك ، فإذا قالت لك : ما تخشين وما شأنك ، فأخبريها بحديثك ، ثم انظرى إلى ما يكون ردّها عليك فتخبرينى به . فراحت العنقاء فوجدتها حزينة كئيبة . فقالت لها : يا بنيّة ، ما شأنك ؟ قالت : الوحدة والوحشة ، وإني لجزعة على نفسي لذلك . فقالت لها : يا بنيّة لا تخافي ولا تحزني ، فإني أستأذن سليمان أن آتيه يوما وأتخلَّف عنه يوما . فلمّا أصبحت أخبرت الغلام بجوابها . فقال لها : لا تريدي هذا ، ولكن سأنحر من دوابّى هذه فرسا وأبقر بطنه وأخرج ما في جوفه وأقيّره وأطيّنه وأدخل أنا في جوفه ، وألقيه على قرقور « 1 » سفينتى هذه ، فإذا جاءتك العنقاء فقولي لها : إني
هامش
« 1 » القرقور : ضرب من السفن كبار ؛ ولكن سياق كلام المؤلف يدل على أنه أراد به رأس السفينة .