تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وهذه بنت ملك ، يجتمعان في أمنع المواضع وأهولها على سفاح بقدر اللَّه تعالى فيهما . قالت العنقاء : يا نبىّ اللَّه ، وقد ولدا ؟ قال : نعم الليلة . قالت : فهل أخبرت بهما ؟ من هما وما اسمهما واسم أبويهما ؟ قال : بلى ، اسمهما كذا وكذا ، واسم أبويهما كذا وكذا . قالت : يا نبىّ اللَّه ، فإني أفرّق بينهما وأبطل القدر . قال : فإنك لا تقدرين على ذلك . قالت بلى . فأشهد سليمان عليها الطير وكفلتها البومة . ومرّت العنقاء وكانت في كبر الجمل عظما ، ووجهها وجه إنسان ، ويداها وأصابعها كذلك ؛ فحلَّقت في الهواء حتى أشرفت على الدنيا وأبصرت كل دار فيها ، وأبصرت الجارية في مهدها قد احتوشتها الظئور والخول ، فآختلست المهد والجارية وطارت ، ومرّت حتى انتهت بها إلى جبل شاهق في السماء ، أصله في جوف البحر ، وعليه شجرة عالية في السماء ، لا ينالها طائر إلا بجهد ، لها ألف غصن ، كل غصن كأعظم شجرة في الأرض ، كثيرة الورق ، فاتخذت لها فيه وكرا عجيبا واسعا وطيئا ، وأرضعتها واحتضنتها تحت جناحها ، وصارت تأتيها بأنواع الأطعمة والأشربة ، وتكنّها من الحرّ والبرد ، وتؤنسها بالليل ، ولا تخبر أحدا بشأنها ، وتغدو إلى سليمان وتروح إلى وكرها . وعلم سليمان بذلك ولم يبده لها ، وبلغ الغلام مبلغ الرجال ، وكان ملكا من ملوك الدنيا ، وكان يلهو بالصيد ويحبّه ويطلبه حتى نال منه عظيما . فقال يوما لأصحابه : كل صيد البر وفلواته ومفازاته قد تمكنت من صيده ، فلو ركبت البحر لأنال من صيده فإنه كثير الصيد كثير العجائب ! . فقال وزير من وزرائه : نعم ما رأيت ، وهو أكثر ما خلق اللَّه صيدا . فأمره بجهازه ، وهيأ السفن وجعل يختار من كل شئ يملكه ، وأخذ من الوزراء والندماء والمشيرين والجواري والغلمان والطباخين والخبازين والبزاة والصقور وغير ذلك مما يريده ويشتهيه من الملاهي
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 87 | النويري