دهقان مدينتنا ، فدعا به الملك فأحضر في نعش ، وقد تغيّر لونه وأروح « 1 » ، فقال :
دونكما ادعوا أن يحييه إلهكما . فدعوا اللَّه ، فما لبث أن تفتّقت عنه أكفانه وردّ اللَّه إليه روحه . فسألوه متى مات وماذا لقى . فقال : متّ منذ سبعة أيام ، ثم عرضت على عملي فقذفت في سبعة أودية من نار ، وذكر ما في الأودية من العذاب والحيّات وغير ذلك . قال : فلمّا صرت إلى الوادي السابع خفّف عنّى العذاب . قالوا :
فمن أين خفّف عنك العذاب ؟ قال : أحياني اللَّه وردّ علىّ روحي ، فجاءنى شئ مثل الريح فدخل في رأسي ، فلمّا صار في جسدي حييت ، ثم قيل لي : انظر فوقك ، فشخصت « 2 » ببصرى وفتحت أبواب السماء ، فنظرت فإذا برجل شابّ حسن الوجه نحيف الجسم أبيض يخالطه حمرة متعلَّق بالعرش يشفع لهؤلاء الرهط الثلاثة ، يعنى عيسى بن مريم . فقال له الملك : أىّ رهط تعنى ؟ . قال : هذا الشيخ الأجلخ « 3 » ، وهذا الكهل الأنزع « 4 » ، وهذا الفتى الرّجل « 5 » . فما زالوا مجتهدين في الدعاء حتى شفّعوا ، والشافع لهم مصغ إليهم بإذنه كأنّه يسمع ما يقولون ثم يرفعه إلى اللَّه فيدعو به . فلما فرغ من كلامه قال : إنّى أحذّركم أيها القوم مثل ما كنت فيه ، فإنه لا إله إلَّا إله عيسى بن مريم وشمعون وبولس ويوحنّا . قال شمعون : اعتصمنا باللَّه وتوكَّلنا عليه ، ثم أخبر الملك بخبره وخبر أصحابه ودعاهم إلى اللَّه ، فمنهم من آمن ، ومنهم من تولَّى . وكان الملك ممن آمن به في عصبة يسيرة . وأرسل اللَّه على من تولَّى منهم صيحة من السماء فإذا هم خامدون .
قال : وكان قد نعى إلى الدّهقان ابنه ، وكان اسم الدّهقان حبيبا النجّار ، ثم لم يلبث أن جاءته البشارة بحياة ابنه ، ولم يكن له ولد غيره ، وأخبر خبر الحواريّين ،
هامش
« 1 » أروح : أنتن .
« 2 » شخص بصره وببصره : رفعه .
« 3 » الأجلخ : الذي انحسر شعره عن جانبي رأسه .
« 4 » الأنزع : الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته .
« 5 » الرجل ( بسكون الجيم ) : الذي شعر رأسه بين السبوطة والجعودة .