تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
عظم ربوبيّتك أنك تعبر البحر فلا تبتّل قدماك ولا ترسخ فيه . قال : بل العظمة للذي ذلَّله . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيّتك أنك تعلم الغيب . قال : بل العظمة لعالم الغيب والشهادة ، لست أعلم إلا ما علَّمنى . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيّتك أنك كوّنت من غير أب . قال : بل العظمة للذي كوّننى وكوّن آدم وحوّاء من قبلي . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيّتك أنك سيأتي عليك يوم تعلو فيه الخلائق كلها ، فتكون السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهنّ دونك ، وأنت فوق ذلك كلَّه تدبّر الأمر وتقسم الأرزاق . قال : فأعظم عيسى قوله وضاق به ذرعا وسبّح إعظاما لما قال إبليس . قال : فأتاه جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب يلطم منها على وجهه فلا يملك من نفسه شيئا حتى وقع بالخافق الأقصى ، ثم نهض بالذي أعطاه اللَّه من القوّة فسبق عيسى إلى أسفل العقبة فسدّها وملأ كل ثلمة وطريق ، ثم قال لعيسى : لقد غضبت غضب إله عظيم ، وقد أخبرتك بأنك إله وما أنت من البشر ، ولو كنت من البشر ما قمت « 1 » ، منذ فارقتك ، أربعين ليلة لم تطعم ولم تشرب ولم تنم ولم يضرع « 2 » لذلك جسمك ، وهذا ما لا ينبغي لبشر . قال عيسى : إنّ جسدي ليألم مما يألم منه البشر ، وإني لأطعم وأشرب وأنام وأغفل وأفرح وأحزن وأجزع وأهلع وأحتاج إلى أن أتنظَّف بالماء وكيف تزعم أنى إله وأنت تعلم أنى هكذا ! . ولم يزل إبليس لعنه اللَّه يحاوره حتى عرض عليه أن يأمر الشياطين بعبادته والاعتراف بربوبيته . فضاق عيسى ذرعا وسبّح للَّه تعالى فقال : « سبحان اللَّه عما يقول وبحمده ، ملء سمائه وأرضه ، وعدد خلقه ، ورضا نفسه ، ومبلغ علمه ، ومنتهى كلماته ، وزنة عرشه » . فهبط جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فنفخه ميكائيل نفخة ذهب منها نحو مطلع الشمس حتى صدم عين الشمس عند طلوعها ، فخرّ
هامش
« 1 » في الأصل : « ما قمت لي » بزيادة « لي » . وظاهر أنها من زيادات النساخ . « 2 » يضرع : يضعف .