تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
قال الكسائىّ : فلم يزل يسير حتى لحق بساحل البحر ، فإذا هو بسفينة مارّة فلوّح إليهم فدخلوا إليه فقال : احملونى معكم فإنّى رجل منقطع غريب من بيت المقدس . فحملوه فقعد على كوثل « 1 » السفينة . فلمّا توسّطوا البحر هبّت عليهم رياح كثيرة من جميع الجوانب وأشرفوا على الغرق ، فأخذوا في الدعاء والتضرّع ويونس لا يتكلَّم ، فأقبل أهل السفينة عليه وقالوا : لم لم تدع أنت معنا ؟ قال : لأنى مغموم لذهاب الأهل والولد . فلم يزالوا به حتى دعا ، فازداد البحر هيجانا . قال يونس : اطرحونى في البحر فإنّ هذا من أجلى . قالوا : ما نفعل . قال : فاقترعوا . فاقترعوا فوقعت القرعة عليه . فقالوا : إنّ القرعة تخطئ وتصيب ، ولكن تعالوا حتى نتساهم . فجعل كل واحد منهم لنفسه سهما ثم رموابها في البحر ، فغرقت إلَّا سهم يونس فإنه بقي على وجه الماء . قال اللَّه عز وجل : * ( فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ « 2 » * ( * . ثم أقبل حوت عظيم من بحر الهند حتى بلغ جانب السفينة ، فقام يونس ليرمى بنفسه ، فتعلَّق القوم به وقالوا : ألا ترى هذه الأمواج وهذا الحوت العظيم ! فأقعدوه والبحر يزيد عيلهم بكثرة أمواجه وأهواله ، فصار إلى جانب السفينة ليرمى بنفسه ، فإذا بالحوت قد دار إلى الجانب الذي قصد أن يرمى نفسه منه ، فعلم يونس أنه هو المراد ، فغطَّى وجهه بكسائه ورمى نفسه في البحر « 3 » فابتلعه الحوت . قال اللَّه تعالى : * ( فَالْتَقَمَه الْحُوتُ وهُوَ مُلِيمٌ « 4 » * ( * معناه يلوم نفسه على ما فعله . وبقى في جوف الحوت وهو يسمع
هامش
« 1 » الكوثل ( بالثاء المثلثة ) : ذنب السفينة . وفى ا : « كوبل » بالباء الموحدة . وفى ب : « كوتل » بالتاء المثناة وكلاهما تصحيف . « 2 » سورة الصافات آية 141 . « 3 » ورد في الكسائىّ عن كعب الأحبار : أن ذلك البحر هو بحر الروم . وفى قاموس الجغرافية القديمة للمرحوم أحمد زكى باشا ( ص 22 ) : أن بحر الروم هو البحر الأبيض المتوسط ، وسمى ببحر الروم لأن البلاد التي على سواحله كانت كلها في ملك الروم . « 4 » سورة الصافات آية 142 .