تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
اللَّه ظبية فوقفت بين يدي يونس وكلَّمته بإذن اللَّه ، فمصّ من لبنها فقوى عند شربه ؛ ثم بشّرته بإيمان قومه وأخبرته بما كان من أمرهم وسبب إيمانهم وذكرت اشتياقهم إلى رؤيته . وكانت الظبية ترعى حول يونس فإذا جاع أو عطش أرضعته ، فلم يزل كذلك أربعين يوما . فنام في بعض الأيام ثم انتبه فرأى اليقطينة قد جفّت والظبية قد غابت ، فاغتمّ لذلك ، فعلم يونس أن اللَّه ضرب له مثلا بقومه ، ثم هبط عليه ملك وقال : قم إلى قومك فإنهم يتمنّون رؤيتك ، وأتاه بحلَّتين فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى ، ثم سار حتى دخل قرية كثيرة الأشجار والخيرات وأهلها يقطعون تلك الأشجار ويلقون ثمارها في الأرض ، فقال : يا قوم ، كيف تفعلون ذلك وتبطلون على أنفسكم ثمارها ! فأوحى اللَّه تعالى إليه : يا يونس ، إنك أشفقت على قوم لا تعرفهم من قطعهم الأشجار ولم تشفق على قومك وهم مائة ألف أو يزيدون ! فعلم يونس أنّ هذا مثل ضربه اللَّه تعالى له ، فقال : إلهي لا أعود إلى ذلك أبدا . ثم سار حتى دخل قرية أخرى وقت الماء ، فتلَّفاه رجل من أهل القرية وسأله أن ينزل عليه فنزل . فلمّا أكل وشرب نظر إلى بيت الرجل وفيه فخّار كثير يريد أن يوقد عليه . فأوحى اللَّه تعالى إليه : يا يونس ، قل لهذا الفاخرانىّ أن يكسر الفخّار الذي قد عمله . فقال يونس ذلك للفاخرانىّ ، فقال : يا هذا أضفتك لما رأيت فيك من أثر الخير وإذا أنت رجل مجنون ، تأمرني أن أكسّر فخّارا قد أتعبت فيه نفسي لأنتفع بثمنه ! قم الآن فأخرج من عندي ، وأخرجه . فأوحى اللَّه تعالى إليه : يا يونس ، إنه أشفق على فخاره وسمّاك مجنونا وأخرجك من منزله حين أمرته بكسره ، وأنت بعثت إلى مائة ألف أو يزيدون فدعوت عليهم ولم تفكَّر في هلاكهم فترحمهم ! . قال : إلهي لا أعود إلى ذلك أبدا . فلمّا أصبح سار فإذا هو برجل يزرع زرعا ، فقال له الرجل : ادع اللَّه عز وجل حتى يبارك لي في زرعى ، فدعا له فأنبته اللَّه تعالى من ساعته
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 179 | النويري