علىّ أبدا ، فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل ، لبرّك بوالدتك . فسار الفتى بها ، فاستقبله عدوّ اللَّه إبليس في صورة راع فقال : أيها الفتى ، إني رجل من رعاة البقر ، اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيرانى ، فحملت عليه زادي ومتاعى ، حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضى حاجتي ، فعدا الثور وسط الجبل وما قدرت عليه ، وإني أخشى على نفسي الهلكة ، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك . فلم يفعل الفتى وقال له : اذهب فتوكَّل على اللَّه - عزّ وجلّ - فلو علم اللَّه منك الصدق لبلَّغك بلا زاد ولا راحلة .
فقال له إبليس : إن شئت فبعنيها بحكمك ، وإن شئت فاحملنى عليها وأعطيك عشرا مثلها . فقال الفتى : إن أمّى لم تأمرني بذلك . فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يديه ، فنفرت البقرة هاربة في الفلاة ، وغاب الراعي ، فدعا الفتى باسم إله إبراهيم ، فرجعت إليه وقالت : أيها الفتى البارّ بوالدته ، ألم تر إلى الطائر الذي طار ، إنه إبليس عدوّ اللَّه اختلسنى ، أما إنه لو ركبني ما قدرت علىّ أبدا ، فلمّا دعوت بإله إبراهيم جاء ملك وانتزعنى من يد إبليس وردّنى إليك لبرّك بأمّك وطاعتك لها . فجاء بها الفتى إلى أمّه ، فقالت له أمّه : إنك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل ، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها .
قال : بكم أبيعها ؟ قالت : بثلاثة دنانير ، ولا تبعها بغير رضاى ومشورتى .
فكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير ، فانطلق بها الفتى إلى السوق فبعث اللَّه - عزّ وجلّ - ملكا ليرى في خلقه قدرته ، وليخبر الفتى كيف برّه بوالدته ، وكان اللَّه تعالى به خبيرا ؛ فقال له الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال :
بثلاثة دنانير ، وأشترط عليك رضا والدتي . فقال له الملك : فأنا أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر أمّك . فقال الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلَّا برضا أمّى .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 246
مساهمون: النويري
ص٢٤٦