تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
قال ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - : أبى اللَّه أن يقبل توبة بني إسرائيل إلَّا بالحال الَّتى كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل . وقال قتادة : جعل اللَّه توبة عبدة العجل القتل لأنّهم ارتدّوا ، والكفر مبيح للدّم . وقال الكسائىّ : لمّا قال موسى لبنى إسرائيل : يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل ، سألوه أن يتوب اللَّه تعالى عليهم ؛ فسأل اللَّه تعالى ، فأوحى اللَّه تعالى إليه أنّه لا توبة لهم ، لأنّ في قلوبهم حبّ العجل ، فاجمع رماد العجل وألقه في الماء ، وأمرهم أن يشربوا منه فإنه يظهر ما في قلوبهم على وجوههم . ففعل ذلك ؛ فلمّا شربوا لم يبق أحد ممّا في قلبه مرض إلا اصفرّ وجهه ولونه وورم بطنه ، ودام ذلك بهم ، فقالوا : يا موسى ، هل شئ غير التوبة الخالصة وقد أخلصنا في توبتنا حتى لو أمرتنا بقتل أنفسنا فعلنا ؟ فأوحى اللَّه إليه : يا موسى قد رضيت بحكمهم على أنفسهم ، فقل لهم : بقتلوا أنفسهم إن كانوا صادقين في توبتهم . فقال لهم موسى ما أمرهم اللَّه به : * ( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) * . فقالوا : كيف نقتل أنفسنا ؟ قال : يقوم من لم يعبد العجل إلى من عبده فيقتله . فقاموا بالسيوف والخناجر إلى الَّذين عبدوه وأرسل اللَّه عليهم ظلمة فلم يبصر بعضهم بعضا ، حتى كان الرجل يأتي إلى أخيه وأبيه وابن عمه وقرابته فيقتله وهو لا يعرفه ، ولم يعمل السلاح فيمن لم يعبد العجل حتى خاضوا في الدماء ، وصاح النساء والصبيان إلى موسى : « العفو يا نبىّ اللَّه » فدعا موسى اللَّه بالعفو عنهم ؛ فلم يعمل السلاح فيهم بعد ذلك ، وقبل اللَّه تعالى توبتهم ، وارتفعت الظَّلمة عنهم .