وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ في قصصه عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق وغيرهم من أصحاب الأخبار - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا : لما آمنت السحرة وصلبهم فرعون ، وانصرف موسى وهارون إلى عسكر بني إسرائيل ، أمر فرعون أن يكلَّفوا بني إسرائيل ما لا يطيقونه ، فكان الرجل من القبط يجئ إلى الرجل من بني إسرائيل فيقول له : انطلق معي فآكنس حشى « 1 » واعلف دوابّى واستق لي . وتجىء القبطية إلى الكريمة من بني إسرائيل فتكلَّفها ما لا تطيق ، ولا يطعمونهم في ذلك كلَّه خبزا ، وإذا انتصف النهار يقولون لهم : اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم . فشكوا ذلك إلى موسى ، فقال لهم : استعينوا باللَّه واصبروا إنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقّين . قالوا :
يا موسى : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، كنا نطعم إذا استعملونا من قبل أن تجيئنا ، فلمّا جئتنا استعملونا ولا يطعموننا . فقال لهم موسى : عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم يعنى فرعون والقبط ، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون .
قالوا : فلمّا أبى فرعون وقومه إلَّا الإقامة على الكفر ، والتمادي في الشر والظلم ، دعا موسى ربّه وقال : ربّ إن عبدك فرعون طغى في الأرض وبغى وعتا وإن قومه نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك ، ربّ فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومى عظة ، ولمن بعدهم من الأمم عبرة . فتابع اللَّه عليهم الآيات المفصّلات بعضها في إثر بعض ، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات ، ثم بعث عليهم الطوفان ( وهو الماء ) أرسل عليهم السماء حتى كادوا يهلكون ، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشبّكة مختلطة بعضها في بعض ، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء
هامش
« 1 » الحش : يكنى به عن بيت الخلاء ؛ وهو مثلث الحاء .