وإذا نظرت إلى الأبلَّة خلتها
من جنّة الفردوس حين تخيّل
كم منزل في نهرها إلى السّرور
بأنّه في غيره لا ينزل
فكأنّما تلك القصور عرائس
والزهر وشى فهي فيه ترفل
غنّت قيان الطَّير في أرجائه
هزجا يقلّ له الثقيل الأوّل
وتعانقت تلك الغصون فأذكرت
يوم الوداع وعيرهم تترحّل
ربع الربيع بها فحاكت كفّه
حللا بها عقد الهموم تحلَّل
فمدبّج وموشّح ومدّنر
ومعمّد ومحبّر ومهلَّل « 1 »
فتخال ذا عينا وذا ثغرا وذا
خدّا يعضّض تارة ويقبّل
ومنها غوطة « 2 » دمشق
- الَّتى هي شرك العقول وقيد الخواطر ، وعقال النفوس ونزهة النواظر ، خلخلت الأنهار أسؤق أشجارها ، وجاست المياه خلال ديارها ؛ وصافحت أيدي النسيم أكفّ غدرانها ، ومثّلت في باطنها موائس أغصانها ؛ يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا يستطيع أن يقبضها ببنان « 3 » ، ويتوهّم المتأمّل لثمراتها أنّها أشربة قد وقفت بغير أوان « 4 » في كلّ أوان ؛ فيالها
هامش
« 1 » المهلل : الثوب الذي جعلت فيه صور على شكل الهلال .
« 2 » قال ياقوت في الغوطة : الغوطة في الكورة التي منها دمشق ، استدارتها ثمانية عشر ميلا ، تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها ، ولا سيما من شماليها ، فان جبالها عالية جدّا ، ومياهها خارجة من تلك الجبال ، وتمد في الغوطة في عدة أنهر فتسقى بساتينها وزروعها ، ويصب باقيها في أجمة هناك وبحيرة .
« 3 » يشير بهذه العبارة إلى قول المتنبي السابق في شعب بوان :وألقى الشرق منها في ثيابي
دنانيرا تفر من البنان« 4 » أوان : جمع آنية ؛ ويشير بهذه العبارة إلى قول المتنبي السابق في شعب بوان ، وهو :لها ثمر تشير إليك منه
بأشربة وقفن بلا أوانيوقد سبق شرحنا لهذا البيت في الحاشية رقم 4 من صفحة 258 فانظره ، ومنه تتبين معنى هذه العبارة .