تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
المصيبة فيشبّهها بنعمة ، وبما تستشعره من تجلَّد في النازلة ينزل عليها صلوات من ربّها ورحمة . ولن ترى أعجب من مصاب لا ترى به إلا مصابا ، وساكن ترب لم يبق بعده إلا من سقى بدمعه ترابا ؛ اشترك فيه الأمّتان العرب والعجم ، وعزّى به العزيزان المجد والكرم ، واستباح الدهر به الصيد في الحرم .
وتشابه الباكون فيه فلم يبن دمع المحقّ لنا من المتعمّل
وكتب أيضا في مثل ذلك : أخّرت مكاتبة الحضرة - مدّ اللَّه في عمرها وفى صبرها وفى أجرها ، وألهمها التسليم لحكم من هو غالب على أمرها - إلى أن تنقضى نبوة الخطب ، وتضع الأنفاس أوزارها للحرب ، ويخرج ماء الجفن نار القلب ؛ وتراجع الخواطر إلى عاداتها ، وتنظر في الدنيا التي ما صحبت إلا على عادياتها ومعاداتها ؛ فتكون الحضرة عرفت من غير تعريف ، ووقفت على الحزم من غير توقيف ؛ وتوفّر عليها الثواب بغير مشارك ، ورجعت إلى فهم مدرك وصواب مدارك . وتأخير التعزية عن البادرة خلاف ما شرع فيها ، ولكن إنما يحتاج أن يثبّت من صبره هاف ، ويرمّ من تجلَّده عاف . وقد علم اللَّه اهتمامى واغتمامى بفقد شيخها رحمه اللَّه وعدمها منه من لا عوض عنه إلا ثواب اللَّه الذي يهوّن الوقائع ، ويوطَّن على الروائع . وأسباب التعزية غير واحدة ، منها أنه إنما درج في السنّ التي هي معترك المنايا ، ومنها أنه ما خرج عن الدنيا إلى أن رأى منها خلفا يهوّن الرزايا ؛ ومنها أنه لقى اللَّه بعمل صالح هو بمشيئة اللَّه نجاته ، ومنها أنه فارقها على الرضا عنها ويكفيها مرضاته ، وعلى الدعاء المقبول لها ونعمت الجنن دعواته .
ولكن للألَّاف لا بدّ حسرة إذا جعلت أقرانها تنقطع
ومنها أن الحزن لو أطيع والحزم لو أضيع لما أفضى إلى مراد ، ولا أعاد ميّتا قبل المعاد . وأحقّ متروك ما يأثم طالبه ، ويؤجر مجانبه .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 174 | النويري