تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
فقد استوحشت الدنيا لفقده ، وارتابت بنفسها من بعده ، وعلمت حلاوة قربه بمرارة بعده ؛ وانصرف ذوو الأبواب عن بابه ، واجتنبت الآمال مغنى جنابه ، وبكت الرياض على آثار سحابه .
فإن يمس وحشا بابه فلربّما تناطح أفواجا عليه المواكب
ومن إنشائه أيضا رحمه اللَّه تعالى : ما شككت - أطال اللَّه بقاءك - حين ورد النعي بالمصائب التي قصمت الظهور بمكروهها ، وحسرت فيها الحسرات عن وجوهها ؛ أنّ السماء على الأرض قد انطبقت ، وأنّ الأيام ما أبقت والسعادة قد أبقت ؛ والحياة لم يبق في طولها طائل ، والصبر بهجير اللوعة ظلّ منسوخ زائل ؛ وشمس الفضائل قد غربت وكيف بطلوعها ، ونفس المكارم قد نزعت من بين ضلوعها ؛ وغاب الإسلام قد غاب منه أىّ ليث ، ورياض الآمال قد أقلع عن سقياها أىّ غيث . فإنّا للَّه وإنا اليه راجعون ، رضا بحكمه ، وتجلَّدا على ما رمى به الحادث من سهمه ، وطبّا للقلوب على مضض البلاء وكلمه ، وفرارا من الجمع بين مصيبة الفاقد وإثمه . وسقى اللَّه ذاك الضريح ما شاء أن يسقيه من سحاب كصوب يديه ، ورحمه رحمة تحفّ بجانبيه . وآها للماء العذب كيف ارتشفته النوازل وأبقت الملح ، ثم آها للصباح الطَّلق كيف اغتالته الأصائل وأطلقت الجنح ؛ ووا أسفا لتلك الذخيرة التي فذلكت بها الأيّام ذخائرى ، والسريرة التي طالما صنتها أن تمرّ بسرائرى ؛ شفقا عليها من سهام دهر بالذخائر مولعة ، وسترا لها من عين زمان على السرائر موقعة . ولئن صحب قلبي بعده أضلعى ، وتحمّلت بعد فقده على ظلعى ؛ فإنّا غدا على أثره ، وإن كنّا اليوم على خبره . وقصر الحياة إلى قصور ، كما أن محصول غرورها غرور . والتأدّب بأدب اللَّه أولى ما خفّف به المسلوب عن منكبه ، وطريق السّلوان لابدّ أن يراجعه عزم منكبّه . فأنشدها اللَّه إلا جعلت مصيبتها مصيبة على الشامت بما تلبسه من صبر يلبس عليه
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 173 | النويري