تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الدائم على الفاني فنقله إليه ؛ على أن الدين فقد منه ركنا شديدا ، ورأيا سديدا ، وعزما وحزما معينا مفيدا ، وأميرا أردنا أن يعيش سعيدا ، فأبى اللَّه إلا أن يموت شهيدا ؛ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون . لقد كان للرجاء في اعتضاد الدولة القاهرة به أىّ مجال ، وللآمال في الانتظار ببأسه ظنون تحقّق أن الغلبة للدّين دائما مع أن الحروب سجال ؛ وللمواكب بطلوع طلعته أىّ إشراق ، وللعيون عن مشاهدة كماله وأبهة جلاله أىّ إغضاء وأىّ إطراق . وللَّه أىّ بدر هوى من أفق بروجه [ 1 ] عن فلك ، وأىّ شمس ما رأته الجواري الكنّس إلا قلن : حاش للَّه ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ؛ وأىّ حصن كانت منه ثمار الشجاعة تجتنى ، وأىّ أسد براثنه الصوارم وأجماته القنا . لقد فتّ في عضد الدين مصابه ، وأذهب صحّة الأنس به وحلاوة وجوده أوصاب فقده وصابه ؛ وكادت الصوارم أن تشقّ عليه غمودها ، والرّايات أن تقطَّع عليه ذوائبها وتغيّر بنودها ، والرماح أن تعرض على النار لتقصف لا لتثقّف قدودها ؛ والجياد أن تتعثّر للحزن بذيولها ، وتعتاض بالنّوح عن صهيلها . ولو أنصف لأكنّته القلوب في ضمائرها ، ولو قبل الفداء لسمحت فيه النفوس بالنفائس ولو كانت الحياة من ذخائرها ؛ أو لو كان الحتف مما يدافع بالجنود تحطَّمت دونه القنا في دروع عساكرها ، ولكنه السبيل الذي لا محيد عن طريقه ، والمعرّس الذي لا بدّ لكل حىّ من النزول على فريقه ؛ وهو الغاية التي تستنّ إليها النفوس استنان الجياد ، والحلبة التي كنّا نحن وهذا الدارج نركض إليها ولكنّ السابق كان الجواد ؛ على أن المتأخّر لا بدّ له من اللَّحاق ، وما ذا عسى يسرّ البدر بكماله وهو يعلم أن وراءه المحاق ! وفى رسول اللَّه أسوة حسنة لمن كان يعلم أن كلّ رزء بعده جلل ، وإذا انتقل العبد إلى اللَّه تعالى غير مفتون في دينه ولا مثقل الظهر من الأوزار حمد في غد ما فعل ؛ وغبط بقدومه
هامش
[ 1 ] في الأصل : « من أفق سروجه » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 177 | النويري