تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
أبو فلان ، بردّ اللَّه ثراه ، وكرّم مثواه ؛ فكأنّما طعن ناعيه في كبدي ، وظعن باكيه بذخيرة جلدي . لا جرم أنّى دفعت إلى غمرة من التّلدّد لو صدم بها النجم لحار ، أودهم بها الحزم لخار ؛ ثم ثابت إلىّ نفسي وقد وقذها الجزع ، وعضّها الوجع ؛ فأطلت الاسترجاع ، وجمعت الجلد الشّعاع ، وها أنا عند اللَّه أحتسبه جماع فضائل ، وجمال محافل ؛ وحديقة مكارم صوّحت ، وصحيفة محاسن درست وانمحت . وما اقتصرت من رسم التعزية المألوف ، على القليل المحذوف ؛ إلا لعلمي بأن المعزّى لا يورد عليك غريبا ، ولا يسمعك من مواعظه عجيبا ؛ فبك يقتدى اللَّبيب ، وعلى مثالك يحتذى الأديب ، وإلى غرضك في كل موطن يوفى [ 1 ] المصيب ؛ وفى تجافى الأقدار عن حوبائك ، وسقوطها دون فنائك ؛ ما يدعو إلى حسن التعزية . لا صدع اللَّه جمعك ، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك . ومن إنشاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانى : ورد الخبر بمصرع فلان الذي عزّ على المعالي ، وعزّيت به الليالي ؛ وسقط به نجم الشرف وهوى ، وجفّ به روض الكرم وذوى ؛ ونقصت الأرض من أطرافها ، ورجفت الجبال من أعرافها ؛ وبكت عليه السماء فإنّ يده كانت من سحبها ، وتناثرت له النجوم فإنّ عزمه كان من شهبها ؛ واظلمت في عيني الدنيا الظالمة ، وتجرّعت منها كأسا لا تسيغها النفس كاظمة ؛ وتقسّمت الأيام فريقين في مودّتى وعداوتى ، فآها على السالفة ولا مرحبا بالقادمة ؛ وأصبحت أخوض الماء وأحشائى تتقطَّع غليلا ، وأرى الناس كثيرا بعيني وبقلبى قليلا .
وما النّاس في عينىّ إلَّا حجارة لبينك والأعراس إلا مآتم
هامش
[ 1 ] كذا بالأصول . ولعله محرف عن : « يرمى » .