تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
السافر ؛ وطالما غرّ وأغرى ، وجرّ وأجرى ، وضرّ وأضرى ؛ فلما توكَّل مولانا السلطان وعزم وعزم فتوكَّل ، وتحقّق أن البلاء به قد نزل ، وما تشكَّك أن ذلك في ذهن القدر قد تصوّر وتشكَّل ؛ وأنّ يومه في الفتك سيكون أعظم من أمسه وأعظم منهما معاداة غده ، وأن نصر اللَّه لن يخلفه صادق موعده ، أكل يده ندامة على ما فرّط في جنب اللَّه ؛ وساق الحتف لنفسه بيده فعمر اللَّه بروحه الخبيثة الدّرك الأسفل من النار ، وسقاه الحتف كأسا بعد كأس لم يكن لها غير الهلك من خمار . وكانت طرابلس هي ضالَّة الإسلام الشريدة ، وإحدى آبقاته من الأعوام العديدة ؛ وكلما مرّت شمخت بأنفها ، وتأنّقت في تحسين منازه منازهها وتزيين ريحانها وعصفها ، ومرّت وهى لا تغازل ملكا بطرفها وكلما تقادم عهدها تكثرت بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها ؛ إذ البحر لها جلباب والسحاب لها خمار ، وليس بها من البرّ إلا بمقدار ساحة الباب من الدار ؛ كأنها في سيف ذلك البحر جبل قد انحطَّ ، أو ميل استواء قد خرج عن الخط ، وما قصد أحد شطَّها بنكاية إلا شطَّ واشتط ؛ قدّر اللَّه أن صرف مولانا السلطان إليها العنان ، وسبق جيشه إليها كلّ خبر وليس الخبر كالعيان ، وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد أحرسته عيونها وتلك المخاوف كلَّهن أمان ، وقد اتخذ من إقدامه عليها خير حبائل ومن مفاجأته لها أمدّ عنان ؛ وفى خدمته جنود لا تستبعد مفازة ، وكم راحت وغدت وفى نفوسها للأعداء حزازة ؛ فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان تيجانا لها صاغتها الثّلوج ، ومعارج لا ترافق بها غير الرياح الهوج ؛ وانحطَّت تلك الجيوش من تلك الجنادل ، انحطاط الأجادل ، واندفعوا في تلك الأوعار اندفاع الأوعال ، ولم يحفل أحد منهم بسرب لاصق ولا بجبل شاهق فقال : هذا منخفض أو عال ؛ وشرعوا في التحصيل لما يوهى ذلك التحصين ، وابتناء كلّ سور أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي الرصين ؛ فما لبثوا إلا مقدار ما قيل