تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
لهم : دونكم والاحتطاب ، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب ؛ حتى جرّوها بأسرع من جرّ النّفس ، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا : السفينة لا تجرى على يبس . وفى الحال نقلت إليها فرأوا من متوقّلها [ 1 ] من يمشى بها على رجلين ومنهم من يمشى على أربع ، ووجّهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عين إلا وكان قدّامها منها إصبع ؛ وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق وبين الحجارة من الأسوار ، فكم نقبت ونقّبت من فلذة كبدها عن أسرار ؛ وأوقدت نيران المكايد ثمّ فكم حولها من صافن ومن صافر . وكم رمتهم بشرر كالقصر فوقع الحافر كما يقال على الحافر . وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاق على أهل النّفاق ، وأكابرهم تساق أرواحهم الخبيثة إلى السّياق . وكان أهل عكَّاء قد أنجدوهم من البحر بكلّ برّ ، ورموا الإسلام بكل شرر وكل شرّ ؛ فكان السهم الذي يخرج منها لا يخرج إلا مقترنا بسهام . وشرفات ذلك الثغر كالثنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفترّ عن ابتسام ؛ وما زالت جنود الإسلام كذلك ، ومولانا السلطان لا ترى جماعة مقدمة ولا متقدّمة إلا وهو يرى بين أولئك . واستمرّ ذلك من مستهلّ شهر ربيع الأول إلى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر ، فزحف عليها في بكرة ذلك النهار زحفا يقتحم كلّ هضبة ووهده ، وكلّ صلبة وصلده ، حتى أنجز اللَّه وعده ، وفتحها المسلمون مجازا وفى الحقيقة فتحها وحده . وطلعت سناجق الإسلام الصّفر على أسوارها ، ودخلت عليهم من أقطارها ، وجاست الكسّابة خلال ديارها ؛ فاحتازها مولانا السلطان لنفسه ملكا ، وما كان يكون له في فتحها شريك وقد نفى عنها شركا ؛ وكلما قيل : هذه طرابلس فتحت قال النصر بمن قتل فيها من النّجد الواصلة وأكثر عكا [ 2 ] وأهل عكا ؛ وأعاد اللَّه قوّة الكفر بها أنكاثا ،
هامش
[ 1 ] توقل في الجبل : صعد . [ 2 ] كذا وردت هذه الكلمات بالأصل ، وهى كما يظهر قلقة غير واضحة .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 159 | النويري