تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فزعزعت منها بروجا وبدنا ، وقالت : هذا جزاؤكم وإن عدتم عدنا ، ولنتبعنّ بعدها آثاركم ونقلع منكم قلاعا ومدنا . فلما أكذبهم الحصن في آمالهم ، وأراهم اللَّه قرب آجالهم ؛ وكان ذلك في اليوم الأغرّ يوم الجمعة والفتح ، سلكوا في التسليم عادة لم يسلكوها ، ورأوا من الجزع خطَّة ملكتهم ولم يملكوها ؛ فأجمعوا أمرهم وشركاءهم إلا أنه كان عليهم غمّة ، وطلبوا الذّمام ومن قبلها كانوا لا يرقبون في مؤمن إلَّا ولا ذمّة ؛ فألقوا إلى الإسلام يومئذ السلم ، ورأوا نور اللَّه الظاهر أشهر من نار على علم ؛ فخرجوا من الحصن زرافات وأوزاعا ، مهطعين إلى الداعي كيوم يخرجون من الأجداث سراعا . فلو تراهم نحو المنايا يركضون ، * ( كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) * .
جرت الرياح على مقرّ ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
وصدق اللَّه المؤمنين وعده ، وكان بصدق وعده حقيقا ، * ( وأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ) * . فلما كان يوم السبت نادى فيهم السيف بالرحيل ، ولم يتزوّدوا من متاع الدنيا إلا القليل ؛ وقام النصر على منابر الهامات خطيبا ، وكثر القتل فصار المهنّد الصقيل خضيبا ؛ وأجرى أودية من دمائهم ، ولم يغادر بقيّة من ذمائهم ؛ واستوى العبيد منهم والأرباب ، وصار فرسانهم فرانس الذئاب ، واستمرؤا المرعى الوخيم فرعاهم الذّباب ؛ ووجدوا غبّ البغى علينا ، وقلنا : * ( هذِه بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ) * ؛ وآب المسلمون بخير عميم ، وفتح عظيم وأجر كريم ؛ وجعل اللَّه الجنّة جزاء للسالمين منهم والذاهبين ، * ( وقالُوا الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَه وأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) * . فليأخذ حظَّه من هذه البشرى فإن لها من النصر العزيز ما بعدها ، ومن المغانم الكثيرة ما ينجز للأمّة المحمديّة وعدها ؛ ويثق بأن