تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
خدمة يقتفى فيها أثر والده ، ويجرى في تبليغها على أجمل عوائده ، ويستفتح فيها استفتاحا تحفّ به من هنا ومن هنا تحف محامده ؛ ويصف ولاء قد جعله أجمل عقوده وأكمل عقائده ، ويشفعهما بإخلاص قد جعله ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده ؛ ويطلع العلم الكريم أن من سجايا المتعرّضين إلى الإعلان بشكر اللَّه في كلّ ما يعرض للمسلمين من نصر ، ويفرض لهم من أجر غزوكم قعد عنه ملك فيما مضى من عصر ؛ أن يقدروا تلك النعمة حقّ قدرها من التحدّث بنعمتها ، والتنبيه لسماع نغمتها ؛ وإرسال أعنّة الأقلام في ميادين الطروس ، وإدارة حرباء وصف خير حرب إلى مواجهة خير الشموس . ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك البسيطة الوالد - خلَّد اللَّه سلطانه - قد أصبحت ذكرى للبشر ، ومواقفه للنصر فكم جاءت هي والقدر على قدر ؛ وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو الأسمار ، وهذه جادّة يستطيب منها حسن الحدو السّفّار ، فكم قاتلت من يليها من الكفّار ، وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصورا بالمهاجرين والأنصار . ولما أذلّ اللَّه ببأسها طوائف التتار في أقاصي بلاد العجم ، وجعل حظَّ قلوبهم الوجع من الخوف ونصيب وجهوهم الوجم ، وأخلى اللَّه من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم ، وقصرت بهم هممهم حتى صاروا يخافون الصبح إذا هجم والظن إذا رجم ، وصارت رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دم لمرض لأحجم من خوفه وما احتجم . وأباد اللَّه الأرمن فحل بالنّيل منهم الويل ، وما شمّر أحد من الجنود الإسلامية عن ساعد إلا وشمّر هو من الذّل الذّيل ، ولا أثارت الجياد من الخيل عثيرا منعقدا إلا وظنّوه مساء قد أقبل أو ليل . وانتهت نوبة القتل بهم والإسار إلى « التّكفور ليفون » ملك الأرمن الذي كان يحمى سرحهم ويمرّد صرحهم ، ويستنطق هتف التّتار ويسترجع صدحهم ؛ وتعتزّ طرابلس الشأم بأنه خال إبرنسها الكافر ، ولسان مشورته السفير ووجه تدبيره