قال : وكان المهدىّ لا يشرب ، فأرادنى على ملازمته وترك الشّرب ، فأبيت عليه . وكنت أغيب عنه الأيام ، فإذا جئته جئته منتشيا ؛ فغاظه ذلك منّى وضربني وحبسنى ؛ فحذقت القراءة والكتابة في الحبس . ثم دعاني يوما فعاتبني على شربى في منازل الناس والتبذّل معهم . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنما تعلَّمت « 1 » هذه الصناعة للذّتى وعشرة إخواني ولو أمكنني تركها تركتها وجميع ما أنا فيه للَّه تعالى . فغضب غضبا شديدا وقال : لا تدخل على موسى وهارون ، فو اللَّه لئن دخلت عليهما لأفعلنّ وأصنعنّ . فقلت نعم . ثم بلغه أنّى دخلت عليهما وشربت معهما وكانا مشتهرين « 2 » بالنّبيذ ، فضربني ثلاثمائة سوط وستين سوطا . فقلت له وأنا أضرب : إن جرمي ليس من الأجرام التي يحلّ بها سفك دمى ، وو اللَّه لو كان سرّ ابنيك تحت قدمىّ ما رفعتهما عنه ولو قطعتا ، ولو فعلت ذلك كنت في حالة أبان العبد « 3 » الساعي . فلما قلت ذلك ضربني بالسيف في جفنه « 4 » فشجّنى ، فسقطت مغشيّا علىّ . وقال لعبد اللَّه ابن مالك : خذه إليك واجعله في مثل القبر . فدعا عبد اللَّه بكبش فذبحه وسلخه وألبسني جلده ليسكن الضّرب عنى ، ودفعني إلى خادم له يقال له أبو عثمان سعيد التركىّ ، فجعلني في قبر ووكَّل بي جارية . فتأذّيت بنزّ كان في القبر وببقّ « 5 » . فقلت للجارية : أصلحى لي مجمرة وكندرا « 6 » ليذهب عنى هذا البقّ ففعلت . فلما دخّنت أظلم القبر وكادت نفسي تذهب ، ثم خفّ ذلك وزال البقّ ، وإذا حيّتان مقبلتان نحوى من شقّ في القبر تدوران حولى ، فهممت أن آخذ واحدة بيدي اليمنى
هامش
« 1 » في الأصل « فعلت » . والتصويب عن الأغانى ( ج 5 ص 160 طبع دار الكتب المصرية ) .
« 2 » في الأغانى : « مستهترين » .
« 3 » هو العبد الذي سعى به وبموسى وهارون إلى المهدى وحدثه بما كانوا فيه .
« 4 » جفن السيف : غمده .
« 5 » المراد بالبق هنا ما يسميه أهل مصر الناموس ، وأهل العراق يسمونه البق ، ويطلقون الناموس على ما يسميه أهل مصر بالبق .
« 6 » الكندر : اللبان .