وحكى أن سياطا مرّ بأبى ريحانة في يوم بارد وهو جالس في الشمس وعليه سمل ثوب رقيق رثّ ؛ فوثب إليه أبو ريحانة المدنىّ وقال : بأبى أنت يا أبا وهب ! غنّنى صوتك في شعر ابن جندب :
فؤادي رهين في هواك ومهجتي
تذوب وأجفانى عليك همول
فغنّاه إياه ، فشقّ قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد ازداد بردا وجهدا .
فقال له رجل : ما أغنى عنك هذا من شقّ قميصك ؟ ! فقال : يا بن أخي ، إن الشعر الحسن من المغنّى المحسن ذي الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمّام محمّى . فقال له رجل : أنت عندي من الذين قال اللَّه تعالى فيهم : * ( ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) ) * فقال : بل أنا ممّن قال اللَّه تعالى فيهم : * ( ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ) ) * . وقد حكيت هذه الحكاية أيضا من طريق آخر : أنّه لمّا غنّاه هذا الصوت شقّ قميصه حتى خرج منه وبقى عاريا وغشى عليه واجتمع الناس حوله ، وسياط واقف يتعجّب مما فعل ، ثم أفاق فقام إليه . فقال له سياط : مالك « 1 » يا مشئوم ! أىّ شئ تريد ؟ قال : غنّنى باللَّه عليك يا سيدي :
ودّع أمامة حان منك رحيل
إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافه
فالرّيح تجذب متنه فيميل « 2 »
إن كان شأنكم الدّلال فإنه
حسن دلالك يا أميم جميل
فغنّاه ، فلطم وجهه حتى خرج الدّم من أنفه ووقع صريعا . ومضى سياط وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس . فلما أفاق قيل له في ذلك فقال نحو ما تقدّم . قال :
ووجّه إليه سياط بقميص وسراويل وجبّة وعمامة .
هامش
« 1 » في الأصل : « مالك أيضا » . ولا معنى لكلمة « أيضا » وهى غير موجودة في الأغانى .
« 2 » كذا في الأغانى . وفي الأصل :أعطافها
والريح تجذب متنها فتميل