تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
لم يكن في المخنّثين أحسن وجها ولا أنظف ثوبا ولا أظرف من الدّلال . قالوا : ولم يكن بعد طويس أظرف منه ولا أكثر ملحا . وكان كثير النوادر نزر الحديث ، فإذا تكلم أضحك الثّكالى ، وكان ضاحك السنّ ، ولم يكن يغنّى إلَّا غناء مضعّفا ( يعنى كثير العمل ) . وقال أيّوب بن عباية : شهدت أهل المدينة إذا ذكروا الدّلال وأحاديثه طوّلوا رقابهم وفخروا به ، فعلمت أن ذلك لفضيلة كانت عنده . قالوا : وكان مبتلى بالنّساء والكون معهنّ ، فكان يطلب فلا يقدر عليه . وكان صحيح الغناء حسن الجرم . قالوا : وإنما لقّب بالدلال لشكله وحسن ظرفه ودلَّه وحلاوة منطقه وحسن وجهه . وكان مشغوفا بمخالطة النساء يكثر وصفهنّ للرجال . وكان يشاغل كلّ من يجالسه عن الغناء بأحاديث النساء كراهة منه للغناء . وكان إذا غنّى أجاد ، كما حكاه ابن الماجشون عن أبيه قال : غنّانى الدّلال يوما بشعر مجنون بنى عامر ، فلقد خفت الفتنة على نفسي . واستحضره سليمان بن عبد الملك من المدينة سرّا وغنّاه وأقام عنده شهرا ثم صرفه إلى الحجاز مكرما . قال الأصمعىّ : حجّ هشام بن عبد الملك ؛ فلما قدم المدينة نزل رجل من أشرف أهل الشأم وقوّادهم بجنب دار الدّلال ، فكان الشامىّ يسمع غناء الدلال ويصغى إليه ويصعد فوق السطح ليقرب من الصوت ، ثم بعث إلى الدّلال : إمّا أن تزورنا وإمّا أن نزورك . فبعث إليه الدّلال بل تزورنا . فبعث الشامىّ ما يصلح ومضى إليه بغلامين من غلمانه كأنهما درّتان مكنونتان . فغنّاه الدّلال ، فاستحسن الشامىّ غناءه فقال : زدني ؛ قال : أو ما يكفيك ما سمعت ! قال : لا واللَّه ما يكفيني . قال : فإنّ لي حاجة .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 299 | النويري