تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
حجرة تصنع فيها الملاهي ، فقال لي : اذهب فاختر منها عودا ترضاه وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا يحتاج إلى إصلاحه وتغييره عند الضرب به ؛ ففعلت وجعلته في كمّى . ودخلنا على الأمين وظهره إلينا . فلما بصرنا به من بعد قال : أخرج عودك فأخرجته ، فاندفع يغنّى :
وكأس شربت على لذّة وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أنى امرؤ أتيت الفتوّة من بابها وشاهدنا « 1 » الورد والياسمي ن والمسمعات بقصّابها « 2 » وبربطنا « 3 » دائم معمل فأىّ الثلاثة أزرى بها
فاستوى الأمين جالسا وطرب طربا شديدا وقال : أحسنت واللَّه يا عمّ وأحييت لي طربا . ودعا برطل فشربه على الرّيق وابتدأ « 4 » شربه . قال منصور : وغنّى إبراهيم يومئذ على أشدّ طبقة يتناهى إليها في العود ، وما سمعت مثل غنائه يومئذ قط . ولقد رأبت منه شيئا عجيبا لو حدّثت به ما صدّقت : كان إذا ابتدأ يغنّى صغت الوحوش إليه ومدّت أعناقها ، ولم تزل تدنو حتى تكاد تضع رؤسها على الدّكَّان الذي كنّا عليه ، فإذا سكت نفرت وبعدت عنّا حتى تنتهى إلى أبعد غاية يمكنها التباعد عنّا فيها ، وجعل الأمين يعجب من ذلك . وانصرفنا من الجوائز بما لم ينصرف بمثله قطَّ . وعن الحسن بن إبراهيم بن رباح قال : كنت أسأل مخارقا : أىّ الناس أحسن غناء ؟ فكان يجيبني جوابا مجملا ، حتى
هامش
« 1 » في الأغانى واللسان : « وشاهدنا الجل » . وقال صاحب اللسان : والجل الذي في شعر الأعشى هو الورد ، فارسي معرب . « 2 » القصاب : الأوتار التي سوّيت من الأمعاء . وقيل : جمع قاصب وهو الزامر . « 3 » البربط : العود . « 4 » في الأغانى ( ج 9 ص 56 طبع بولاق ) : « وامتدّ في شربه » .