تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وحكى عن ممشاد الدّينورىّ أنه قال : رأيت النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلم في النوم فقلت : يا رسول اللَّه ، هل تنكر من هذا السماع شيئا ؟ فقال : « ما أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختتمون بعده بالقرآن » . قال الغزالىّ : وعن ابن جريح أنه كان يرخص في السماع فقيل له : تقدّمه يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو ، قال اللَّه تعالى : * ( ( لا يُؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) ) * * ؛ ثم بيّن الغزالىّ رحمه اللَّه الدليل على إباحة السماع فقال : اعلم أن قول القائل : السماع حرام ، معناه أن اللَّه تعالى يعاقب عليه وهذا أمر لا يعرف بمجرّد العقل بل بالسمع ، ومعرفة الشرعيّات محصورة في النصّ أو القياس على المنصوص . قال : وأعنى بالنصّ ما أظهره رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم بقوله أو فعله ، وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله ، فإن لم يكن فيه نصّ ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه ويبقى فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات ، ولا يدلّ على تحريم السماع نصّ ولا قياس . قال : وقد دلّ القياس والنصّ جميعا على إباحة السماع . أما القياس فهو أن الغناء اجتمع فيه معان ينبغي ان يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيّب موزون مفهوم المعنى المحرّك للقلب . فالوصف الأعمّ أنه صوت طيّب ، ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره . والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار ، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وأصوات سائر الحيوانات . أما سماع الصّوت الطيّب من حيث إنه طيّب فلا ينبغي أن يحرّم بل هو حلال بالنصّ والقياس . أمّا القياس فإنه يرجع إلى تلذّذ حاسّة السمع بإدراك ما هو مخصوص به . وللإنسان عقل وخمس حواس ولكلّ حاسّة إدراك . وفي مدركات تلك الحاسة
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 162 | النويري