تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الدرجة الثانية : النظر في الصوت الطيّب الموزون فإنّ الوزن وراء الحسن ، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن ، وكم من صوت موزون غير مستطاب . والأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة ، فإنها إمّا أن تكون من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره . وإمّا أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما إنسان وإما غيره . فصوت العنادل والقمارىّ وذوات السجع من الطيور مع طيها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذّ سماعها . والأصل في الأصوات حناجر الحيوانات . وإنما وضعت المزامير على صورة « 1 » الحناجر وهى تشبيه الصّنعة بالخلقة . وما من شئ توصّل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التي استأثر اللَّه تعالى باختراعها ، منه تعلَّم الصّنّاع وبه قصدوا الاقتداء . فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيّبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور . ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا بين جماد وحيوان . فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمىّ كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدّفّ وغيره . ولا يستثنى من هذا إلا الملاهي والأوتار والمزامير ، إذ ورد الشرع بالمنع منها لا للذّتها إذ لو كان للذّة لقيس عليها كل ما يلتذّ به الإنسان ولكن حرّمت الخمور واقتضت ضراوة « 2 » الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدّنان ، فحرّم معها ما هو شعار أهل الشرب وهى الأوتار والمزامير فقط . وكان تحريمه من قبيل الاتباع كما حرّمت الخلوة « 3 » لأنها مقدّمة الجماع . وحرّم النظر إلى الفخذ
هامش
« 1 » في نسخة من كتاب الإحياء : « على صوت » . « 2 » الضراوة : الاعتياد لها والاجتراء عليها . « 3 » كذا بالأصل . وفي الإحياء للغزالي : « الخلوة بالأجنبية » .