تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
ما يستلذّ . فلذّة البصر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وسائر الألوان الجميلة وهى في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة . وللشمّ الروائح الطيّبة وهى في مقابلة الأنتان المستكرهة . وللذّوق الطعوم اللذيذة كالدّسومة والحلاوة والحموضة وهى في مقابلة المرارة والمزازة المستبشعة . وللمسّ لذّة اللين والنعومة والملاسة وهى في مقابلة الخشونة والضّراسة . وللعقل لذّة العلم والمعرفة وهى في مقابلة الجهل والبلادة . فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذّة كصوت العنادل والمزامير ، ومستكرهة كنهيق الحمر وغيرها ، فما أظهر قياس هذه الحاسّة ولذّتها على سائر الحواس ولذّاتها . وأما النصّ فيدلّ على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان اللَّه على عباده به إذ قال تعالى : * ( ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) ) * فقيل : هو حسن الصوت . وفي الحديث : « ما بعث اللَّه نبيّا إلا حسن الصوت » . وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « للَّه أشدّ أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته » وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السّلام : « أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزّبور حتى كان يجتمع الإنس والجنّ والوحش والطير لسماع صوته ، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب من ذلك في الأوقات » . وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم في مدح أبى موسى الأشعرىّ : « لقد أعطى مزمارا من مزامير آل داود » وقوله تعالى : * ( ( إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ) * يدل بمفهومه على مدح الصوت الحسن . ولو جاز أن يقال : إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون في القرآن للزمه أن يحرّم سماع صوت العندليب لأنه ليس بقرآن . وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له ، فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة والمعاني الصحيحة ! وإن من الشعر لحكمة . قال : فهذا نظر في الصوت من حيث إنه طيّب حسن .