تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتى بحلَّه ، وقد ضرب بالعود - وسنذكر خبره في ذلك بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى - ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم ، فكيف تسقط عدالة المستمع ! ومكان يبالغ في هذا الأمر أتمّ مبالغة . وقد أجمعت الأئمة على عدالته واتفق البخارىّ ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح ؛ وقد علم من مذهبه إباحة سماع الأوتار . والأئمة الذين رووا عنه أهل الحلّ والعقد في الآفاق إنما سمعوا منه ورووا عنه بعد استماعهم غناءه وعلمهم أنه يبيحه ، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ، سمع منه ببغداد بعد حلفه أنه لا يحدّث حديثا إلا بعد أن يغنّى على عود ، وذلك أنه لا شك سمع غناءه ثم سمع حديثه . قال : وهذا أمر لم يرد عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه نصّ يرجع إليه ، فكان حكمه كحكم الإباحة . وإنما تركه من تركه من المتقدّمين تورّعا كما تركوا لبس اللَّين وأكل الطَّيب وشرب البارد والاجتماع بالنسوان الحسان ؛ ومعلوم أن هذا كلَّه حلال . وقد ترك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أكل الضبّ وسئل عنه أحرام هو ؟ قال : « لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه » وأكل على مائدته صلَّى اللَّه عليه وسلم . وقد روى عن زيد بن ثابت رضى اللَّه عنه أنه قال : إذا رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شئ فاعلم أنه سنّة . وقد روى عن محمد بن سيرين رحمه اللَّه أنّ رجلا قدم المدينة بجوار ، فنزل على ابن عمر وفيهنّ جارية تضرب ؛ فجاء رجل فساومه فلم يهو منهنّ شيئا . فقال : انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا ؛ فأتى إلى عبد اللَّه بن جعفر فعرضهنّ عليه ؛ فأمر جارية قال : خذي ، فأخذت العود حتى ظنّ ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك ؛ فقال ابن عمر : حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان ، قال : فبايعه . ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني غبنت بسبعمائة درهم . فأتى
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 144 | النويري