تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
وقيل : مرّ طفيلىّ على قوم يتغدّون ، فقال : سلام عليكم معشر اللئام ، فقالوا : لا واللَّه ! بل كرام ، فثنى ركبته ونزل ، وقال : اللهمّ اجعلهم من الصادقين ، واجعلني من الكاذبين . قال هشام أخوذى الرمّة لرجل أراد سفرا : إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد ، فإن استطعت أن لا تكون كلب الرّفاق فافعل . ونظر طفيلىّ إلى قوم من الزنادقة يسار بهم إلى القتل ، فظنهم يدعون إلى صنيع ، فتلطف حتّى دخل في لفيفهم وصار كواحد منهم ، فلما بلغوا صاحب الشّرطة ، أمر بضرب أعناقهم ، فقدّموا واحدا بعد واحد حتّى انتهوا إلى الطفيلىّ فلما قدّم للقتل التفت إلى صاحب الشّرطة ، فقال له : إنّى واللَّه ما أنا منهم ، ولا أعلم بما يدينون ، وإنما أنا طفيلىّ ظننتهم يذهب بهم إلى صنيع ، فتلطَّفت حتّى دخلت في جملتهم ، فقال ليس هذا مما ينجيك ، اضربوا عنقه ، فقال : أصلحك اللَّه ، إن كنت عزمت على قتلى ، فأمر السياف أن يضرب بطني بالسيف ، فإنه هو الذي أوقعني في هذه الورطة ، فضحك ، وكشف عنه ، فأخبر أنه طفيلىّ معروف ، فخلَّى سبيله . وحكى أن المأمون أمر أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سمّوا له من أهل البصرة ، فجمعوا ، فأبصرهم طفيلىّ ، فقال : ما اجتمعوا إلا لصنيع ، فدخل في وسطهم ومضى بهم الموكَّلون ، حتّى انتهوا إلى زورق قد أعدّلهم ، قال الطفيلىّ : هي نزهة ، فدخل معهم الزّورق ، فلم يكن بأسرع من أن قيّدوا ، وقيّد معهم الطفيلىّ ، ثم سير بهم إلى بغداد ، فأدخلوا على المأمون ، فجعل يدعوهم بأسمائهم رجلا رجلا ، ويأمر بضرب أعناقهم ، حتّى وصل إلى الطفيلىّ ، وقد استوفى العدّة ، فقال للموكلين : ما هذا ؟ قالوا : واللَّه ما ندري ، غير أنّا وجدناه مع القوم ، فجئنا به ، فقال له المأمون :