تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
يشرع ، ناهيك به من رجل ما تطهّر من جنابه ، ولا أظهر مخيلة إنابه ، ولا استنجى من حدث ، ولا أسجى فؤاده موارى في جدث ، ولا أقرّ ببارئه ومصوّره ، ولافرّ عن تباريه في ميدان تهوّره ، الإساءة اليه أجدى من الإحسان ، والبهيمة أهدى عنده من الإنسان ، نظر في تلك التعاليم ، وفكَّر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم ، ورفض كتاب اللَّه الحكيم العليم ، ونبذه وراء ظهره ، ثاني عطفه ، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واقتصر على الهيئة ، وأنكر أن يكون له عند اللَّه تبارك وتعالى فيئة ، وحكم للكواكب بالتدبير ، واجترم على اللَّه اللطيف الخبير ، واجترأ عند سماع النهى والإيعاد ، واستهزأ بقوله تعالى : * ( ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ) ) * فهو يعتقد أن الزمان دور ، وأن الإنسان نبات له نور ، حمامة تمامه ، واختلافه فطامه ، قد محى الإيمان من قلبه فما له فيه رسم ، ونسي الرحمن لسانه فما يمرّ له عليه اسم ، وانتمت نفسه للضلال وانتسبت ، ونفت يوما تجزى فيه كلّ نفس بما كسبت ، فقصر عمره على طرب ولهو ، واستشعر كل كبر وزهو ، وهو يعكف على سماع التلاحين ، ويقف عليها كلّ حين ، يعلن بذلك الاعتقاد ، ولا يؤمن بشئ قادنا إلى اللَّه في أسلس مقاد ، مع منشإ وخيم ، ولؤم أصل وخيم « 1 » ، وصورة شوّهها اللَّه وقبحها ، وطلعة لو رآها كلب لنبحها ، وقدارة يؤذى البلاد نفسها ، ووضارة يحكى الحداد دنسها وفند لا يعمر إلا كنفه ، ولدد لا يقوّم إلا الصّفاد جنفه « 2 » . وكتب أحمد بن يوسف : أما بعد فإني لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك ، لأنه يحصل منك بين حسب دنىء ، ولسان بذىء ، وجهل قد ملك عليك طباعك ، فالمعروف لديك ضائع ، والشكر عندك مهجور ، وإنما غايتك في المعروف أن تحوّره ، وفي وليّه أن تكفّره .
هامش
« 1 » الخيم : السحيّة . « 2 » الجنف : الميل .