تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
أسدى اليه صنيع أخفاه ، وإن استكتم سرّا أفشاه ، فصديقه منه على حذر ، وعدوّه منه على غرر « 1 » . وإنّ للشعراء والبلغاء في الذّم والهجاء نظما ونثرا سنورد منه طرفا ، ونشرح ما يجعل ضوء النهار على المقول فيه سدفا « 2 » . فمن ذلك ما قاله أحمد بن يوسف الكاتب في بنى سعيد بن مسلم بن قتيبة : محاسنهم مساوىء السّفل ، ومساوئهم فضائح الأمم ، وألسنتهم معقودة بالعىّ ، وأيديهم معقولة بالبخل ، وأعراضهم أعراض الذمّ ؛ فهم كما قيل
لا يكثرون وإن طالت حياتهم ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا
وذمّ أعرابي قوما فقال هم أقلّ الناس ذنوبا إلى أعدائهم ، وأكثرهم تجرؤا على أصدقائهم ، يصومون عن المعروف ، ويفطرون على الفحشاء . وذمّ أعرابىّ قوما فقال : قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء ، وذبغت جلودهم باللؤم ، فلباسهم في الدنيا الملامة ، وفي الآخرة الندامة . وكان عيسى بن فرخان شاه يتيه على أبى العيناء حال وزارته ، فلما صرف عن الوزارة لقى أبا العيناء في بعض السكك فسلَّم عليه سلاما خفيفا ، فقال أبو العيناء لقائده : من هذا ؟ قال : أبو موسى ، فدنا منه حتّى أخذ بعنان بغلته وقال : لقد كنت أقنع بإيمائك دون بنانك ، وبلحظك دون لفظك ، الحمد للَّه على ما آلت اليه حالك ، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة ، لقد أصابت فيك النقمة ؛ ولئن كانت الدنيا أبدت صفحاتها بالإقبال عليك ، لقد أظهرت محاسنها بالإدبار عنك ، وللَّه المنّة
هامش
« 1 » الغرر : التعرض للهلكة . « 2 » السّدف : الظلمة .