تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
شكره ، فقال له هشام : لئن قلت ذلك ، لقد قال سيّد أهلك أبو مسلم الخولانىّ : أنجع المعروف في القلوب ، وأبرده على الأكباد ، معروف منتظر من وعد لا يكدّر بالمطل . وكان يحيى بن خالد لا يقضى حاجة إلا بوعد . وقالت أعرابيّة لرجل : مالك تعطى ولا تعد ، فقال : مالك والوعد ؟ قالت ينفسح به البصر ، وينشر فيه الأمل ، وتطيب بذكره النفس ، ويرخى به العيش ، وتربح به المدح بالوفاء . قيل : كلَّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل فقال : عده عنّى قضاءها ، قال : وما يدعوك أعزّك اللَّه إلى العدة مع وجود القدرة ؟ فقال يحيى : هذا قول من لا يعرف موضع الصنائع من القلوب ، إن الحاجة إن لم تتقدمها بوعد ينتظر به نجحها ؛ لم تتجاذب الأنفس بسرورها ، ولم تتلذذ بتأميلها ، وإن الوعد تطعّم ، والإنجاز طعام ، وليس من فاجأه طعام ، كمن وجد رائحته ، وتمطَّق له وتطعّمه ، ثم طعمه ، فدع الحاجة تحتّم بالوعد ، ليكون لها عند المصطنع اليه حسن موقع ، ولطف محلّ . وقال عيسى بن ماهان : إني أحبّ أن أهب بلا وعد ، وأحبّ أن أعد ، لأخرج من جملة المخلفين ، وأدخل في عدد الوافين ، ويؤثر عنّى كرم المنجزين ، فإن من سبق فعله وعده ، وصف بكرم فرد ، وسقط عنه جميع ما ذكرت . قال ذكر العباس المأمون فقال : إنه ألقح معروفه عندي بالوعد ، ونتجه بالنّجح ، وأرضعه بالزيادة ، وشيّبه بالتعهد ، وهرّمه باستتمامه من جهاته ، وهنأه « 1 » بترك الامتنان به .
هامش
« 1 » هنأه : طلاه بالهناء وهو القطران .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 255 | النويري