تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣

ذكر ما قيل في حدّ العقل وماهيّته وما وصف به

وقد اختلف الحكماء ، في حد العقل ، فقيل : حدّه الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا ، وقيل : النظر في العواقب ، وقال المتكلمون : هو اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صحّ تكليفه . وقيل : العاقل من له رقيب على شهواته ، وقيل : هو من عقل نفسه عن المحارم ، وقال عمرو بن العاص : أن يعرف خير الخيرين ، وشرّ الشرين . قال أبو هلال : ومن العجب أن العرب تمثّلت في جميع الخصال ، بأقوام جعلوهم أعلاما فيها ، فضربوا بها المثل إذا أرادوا المبالغة ، فقالوا : أحلم من الأحنف ، ومن قيس بن عاصم ، وأجود من حاتم ، ومن كعب بن مامة ، وأشجع من بسطام ، وأبين من سحبان ، وأرمى من ابن تقن ، وأعلم من دغفل ، ولم يقولوا : أعقل من فلان ، فلعلَّهم لم يستكملوا عقل أحد ، على حسب ما قال الأعرابىّ ، وقد قيل له : حدّ لنا العقل ، فقال : كيف أحدّه ولم أره كاملا في أحد قطَّ . وقيل لحكيم : ما جماع العقل ؟ فقال : ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه ، وما لا يوجد كاملا فلا حدّ له . وقالوا : لكلّ شئ غاية وحدّ ، والعقل لا غاية له ولا حدّ ، ولكن الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطَّيب . واختلفوا في ماهيّة العقل ، كما اختلفوا في حدّه ، فقال بعضهم : هو نور وضعه اللَّه تعالى طبعا وغريزة في القلب ، كالنور في العين وهو البصر ، فالعقل نور في القلب ، والبصر نور في العين ، وهو ينقص ويزيد ، ويذهب ويعود ، وكما يدرك بالبصر شواهد
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 233 | النويري