ومن أخبار الكرام : ما حكى أنّ خالد بن عبد اللَّه القسرىّ أمير العراق ، كان يكثر الجلوس ثم يدعو بالبدر ويقول : إنما هذه الأموال ودائع العرب لا بدّ من تفرقتها ، فقال ذلك مرّة ، وقد وفد عليه أخوه أسد بن عبد اللَّه من خراسان ، فقام ، فقال أيها الأمير إن الودائع تجمع لا تفرق ، فقال : ويحك ! إنها ودائع المكارم ؛ وأيدينا وكلاؤها ، فإذا أتانا المملق فأغنيناه ، والظمآن فأرويناه ، فقد أدّينا فيها الأمانة ، ومرّ يزيد بن المهلَّب بأعرابية في هروبه من سجن عمر بن عبد العزيز ، وهو يريد البصرة ، فقدّمت له عنزا فقبلها ، ثم قال لابنه معاوية : ما معك من النفقة ؟ قال ثمانمائة دينار ، قال : ادفعها إليها ! فقال له ابنه : إنك تريد الرجال ، ولا تكون الرجال إلا بالمال ، وهذه يرضيها اليسير ، وهى بعد لا تعرفك ، فقال : إن كانت ترضى باليسير ، فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني ، فأنا أعرف نفسي ، ادفعها إليها ، فدفعها إليها .
قال الأحنف : كثرت علىّ الدّيات بالبصرة ، لما قتل مسعود ، فلم أجدها في حاضرة تميم ، فخرجت نحو يبرين ، فسألت : من المقصود هناك ؟ فأرسلت إلى قبّة ، فإذا شيخ جالس بفنائها ، مؤتزر بشملة ، محتب بحبل ، فسلمت عليه ، وانتسبت له ، فقال : ما فعل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ؟ قلت : توفّى ، قال : فما فعل عمر بن الخطاب الذي كان يحفظ العرب ويحوطها ؟ قلت : مات ، قال : فأىّ خبر في حاضرتكم بعدهما ؟ قال : فذكرت الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة ، قال :
أقم ، فإذا راع قد أزاح عليه بألف بعير ، فقال : خذها ، ثم أراح عليه آخر بمثلها ، فقال :
خذها ، قلت : لا أحتاج إليها ، فانصرفت بالألف ، وو اللَّه ما أدرى من هو إلى الساعة .
وروى عن معن بن زائدة ، قال : لما هربت من المنصور ، خرجت من باب حرب ، بعد أن أقمت في الشمس أياما ، وخففت لحيتي وعارضى ، ولبست
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 211
مساهمون: النويري
ص٢١١