تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وقيل : كان المعتضد يوما جالسا في بيت يبنى له وهو يشاهد الصّنّاع فرأى في جملتهم عبدا أسود منكر الخلق ، شديد المرح ، يصعد على السلاليم مرقاتين مرقاتين ويحمل ضعف ما يحمل غيره ، فأنكر أمره ، وأحضره وسأله عن سبب ذلك ، فلجلج فقال لوزيره : قد خمّنت في هذا نخمينا ما أحسبه باطلا ، إمّا أن يكون معه دنانير قد ظفر بها من غير وجهها ، أو لصّا يتستّر بالعمل ، ثم قال : علىّ بالأسود فأحضره وضربه ، وحلف إن لم يصدقه ليضربنّ عنقه ، فقال الأسود : ولى الأمان يا أمير المؤمنين ، قال : نعم ! إلَّا ما كان من حدّ ، فظن أنه قد أمّنه ، فقال : كنت أعمل في أتّون الآجرّ ، منذ سنين ، فأنا منذ شهور جالس إذ مرّ بي رجل في وسطه كيس فتبعته وهو لا يعرف مكاني فحلّ الهميان وأخرج منه دينارا فتأمّلته فإذا كله دنانير فكتّفته وسددت فاه وأخذت الهميان وحملته على كتفي وطرحته في التّنور وطيّنت عليه ، فلما كان بعد أيام أخرجت عظامه وطرحتها في دجلة والدنانير معي تقوّى قلبي قال : فأرسل المعتضد من أحضر الدنانير ، وإذا على الكيس : لفلان بن فلان ، فنادى في المدينة ، فحضرت امرأته وقالت : هذا زوجي وقد ترك طفلا صغيرا خرج في وقت كذا ومعه كيس فيه ألف دينار ، فغاب إلى الآن ، فسلَّم الدنانير إليها وأمرها أن تعتدّ ، وضرب عنق الأسود وأمر أن يوضع في الأتّون . وقيل : جلس المنصور في إحدى قباب المدينة فرأى رجلا ملهوفا مهموما يجول في الطرقات ، فأرسل من أتاه به فسأله عن حاله فأخبره أنّه خرج في تجارة فأفاد مالا ورجع إلى منزله به ، فدفعه إلى امرأته ، فذكرت المرأة أنّ المال سرق ولم يرنقبا ولا تسلَّقا ، فقال له المنصور : منذكم تزوّجتها ؟ قال : منذ سنة ، قال : فبكرا أو ثيّبا ؟
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 150 | النويري