2 - و لمّا توجّه أبو جعفر عليه السّلام من بغداد منصرفا من عند المأمون ، و معه أمّ الفضل قاصدا بها المدينة ، صار إلى شارع باب الكوفة و معه النّاس يشيّعونه ، فانتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشّمس ، نزل و دخل المسجد ، و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد ، فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النّبقة و قام عليه السّلام فصلّى بالنّاس صلوة المغرب ، فقرأ في الأولى منها ألحمد و إذا جاء نصر اللّه ، و قرأ في الثّانية ألحمد و قل هو اللّه ، وقنت قبل ركوعه فيها ، و صلّى الثّالثة و تشهّد و سلّم ، ثمّ جلس هنيهة يذكر اللّه جلّ اسمه و قام من غير تعقيب فصلّى النّوافل أربع ركعات ، و عقّب بعدها ، و سجد سجدتي الشّكر ثمّ خرج فلمّا انتهى إلى النّقبة رآها النّاس و قد حملت حملا حسنا ، فتعجبّوا من ذلك و أكلوا منها ، فوجدوا نبقا حلوا لا عجم له ، و ودّعوه عليه السّلام و مضى من وقته إلى المدينة ، فلم يزل بها إلى أن أشخصه المعتصم في أوّل سنة خمس و عشرين و مائتين إلى بغداد ، فأقام بها حتّى توفّى في آخر ذى القعدة من هذه السّنة ، فدفن في ظهر جدّه أبي الحسن موسى عليه السّلام .
3 - أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد عن محمّد بن يعقوب عن أحمد بن إدريس عن محمّد بن حسّان عن علىّ بن خالد قال : كنت بالعسكر فبلغني أنّ هناك رجلا محبوسا أتى به من ناحية الشّام مكبولا و قالوا : إنّه تنبّأ ، قال : فأتيت و داريت البوّابين حتّى وصلت إليه ، فإذا رجل له فهم و عقل ، فقلت له : يا هذا ما قصّتك ؟
فقال : إنّي كنت رجلا بالشّام أعبد اللّه تعالى في الموضع الّذي يقال إنّه نصب فيه رأس الحسين عليه السّلام ، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر اللّه عزّ و جلّ ، إذ رأيت شخصا بين يدىّ فنظرت إليه ، فقال لي :
قم ، فقمت معه ، فمشى بي قليلا فإذا أنا به مسجد الكوفة ، فقال لي : أتعرف هذا المسجد ؟ فقلت : نعم هذا مسجد الكوفة ، قال : فصلّى و صلّيت معه ، ثمّ انصرف و انصرفت معه ، فمشى بي قليلا و إذا نحن به مسجد الرّسول صلّى اللّه عليه و إله ، فسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و صلّى و صلّيت معه ، ثمّ خرج و خرجت فمشى قليلا ، فإذا أنا بمكّة فطاف بالبيت و طفت معه ثمّ خرج فمشى قليلا ، فإذا أنا بموضعى الّذي كنت أعبد اللّه فيه بالشّام ، و غاب الشّخص عن عيني ، فبقيت متعجّبا حولا ممّا رأيت ، فلمّا كان في العامّ المقبل رأيت ذلك الشّخص فاستبشرت به و دعاني فأجبته ، ففعل كما فعل في العام الماضي فلمّا أراد مفارقتي بالشّام قلت له : سألتك بالحقّ الّذي أقدرك على ما رأيت منك إلّا أخبرتني من أنت فقال : أنا محمّد بن علىّ بن موسى بن جعفر رحمه اللّه فحدّثت من كان يصير إلىّ بخبره ، فرقي ذلك إلى محمّد بن عبد الملك الزّيّات ، فبعث إلىّ فأخذني و كبلني في الحديد و حملني إلى العراق ، و حبست كما ترى و ادّعي علىّ المحال ، فقلت له : فأرفع عنك قصّة إلى محمّد بن عبد الملك الزّيّات ؟ فقال : إفعل . فكتبت عنه قصّة شرحت أمره فيها و رفعتها إلى محمّد بن عبد الملك الزّيّات ، فوقّع في ظهرها : قل للّذي أخرجك من الشّام في ليلة إلى الكوفة ، و من الكوفة إلى المدينة ، و من المدينة إلى مكّة ، و ردّك من مكّة إلى الشّام أن يخرجك من حبسك هذا . قال علىّ بن خالد : فغمّني ذلك من أمره و رققت له و انصرفت محزونا عليه ، فلمّا كان من الغد باكرت الحبس لأعلّمه بالحال ، و آمره بالصّبر و العزاء فوجدت الجند و أصحاب الحرس ، و أصحاب السّجن و خلقا عظيما من النّاس يهرعون ، فسألت عن حالهم ؟ فقيل لي : المحمول من الشّام متنبّئ افتقد البارحة من الحبس ، فلا يدرى أخسفت به الأرض أو اختطفه الطّير ؟ و كان هذا الرّجل - أعني علىّ بن خالد - زيديّا ، فقال بالإمامة لمّا رأى ذلك و حسن اعتقاده .
4 - أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد عن محمّد بن يعقوب عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد عن محمّد بن علىّ عن محمّد بن حمزة عن محمّد بن عليّ الهاشميّ قال : دخلت على أبي جعفر عليهما السّلام صبيحة عرسه ببنت المأمون ، و كنت تناولت من اللّيل دواء ، فأوّل من دخل عليه في صبيحته أنا و قد أصابني العطش و كرهت أن أدعو بالماء ، فنظر أبو جعفر عليه السّلام في وجهي و قال : أراك عطشان ؟ قلت : أجل ،
الإرشاد ( فارسى ) — صفحة 698
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٦٩٨