فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد اللّه بن سمير ، و كان مضحاكا و شجاعا به طلا فارسا فاتكا شريفا ، فقال : نحن و ربّ الكعبة الطّيّبون ميّزنا منكم ! فقال له برير بن خضير : يا فاسق أنت يجعلك اللّه من الطّيّبين ؟ فقال له : من أنت ويلك ؟ قال له : أنا برير بن خضير ، فتسابّا .
و أصبح الحسين بن علىّ عليه السّلام فعبّأ أصحابه بعد صلوة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، و حبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه ، و أعطى رايته العبّاس أخاه ، و جعلوا البيوت في ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك ، و أن يحرق بالنّار مخافة أن يأتوهم من ورائهم .
و أصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم و هو يوم الجمعة ، و قيل يوم السّبت ، فعبّأ أصحابه و خرج فيمن معه من النّاس نحو الحسين عليه السّلام ، و كان على ميمنته عمرو بن الحجّاج ، و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، و على الخيل عروة بن قيس ، و على الرّجّالة شبث بن ربعىّ ، و أعطى الرّاية دريدا مولاه .
فروى عن علىّ بن الحسين عليهما السّلام أنّه قال : لمّا صبّحت الخيل الحسين عليه السّلام رفع يديه و قال : « أللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ، و رجائي في كلّ شدّة ، و أنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة و عدّة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، و تقلّ فيه الحيلة ، و يخذل فيه الصّديق ، و يشمت فيه العدوّ أنزلته بك و شكوته إليك رغبة منّي إليك عمّن سواك ففرّجته عنّي و كشفته ، فأنت ولىّ كلّ نعمة و صاحب كلّ حسنة و منتهى كلّ رغبة » .
قال و أقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين عليه السّلام فيرون الخندق في ظهورهم و النّار تضطرم في الحطب و القصب الّذي كان ألقى فيه ، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته : يا حسين أتعجّلت النّار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين عليه السّلام : من هذا ؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن ؟ فقالوا له : نعم ، فقال له يابن راعية المعزى ! أنت أولى بها صليّا . و رام مسلم بن عوسجة أن يرميه به سهم فمنعه الحسين عليه السّلام من ذلك ، فقال له : دعني حتّى أرمية فإنّه الفاسق من أعداء اللّه ، و عظماء الجبّارين و قد أمكن اللّه منه . فقال له الحسين عليه السّلام : لا ترمه فإنّي أكره أن أبدأهم . ثمّ دعا الحسين عليه السّلام براحلته فركبها و نادى بأعلى صوته : يا أهل العراق ! - و جلّهم يسمعون فقال : - أيّها النّاس اسمعوا قولي و لا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم علىّ ، و حتّى أعذر إليكم ، فإن أعطيتموني النّصف كنتم بذلك أسعد ، و إن لم تعطونى النّصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم « ثمّ لا يكن امركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إلىّ و لا تنظرون إنّ وليّى اللّه الّذي نزّل الكتاب و هو يتولّى الصّالحين » ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه و ذكر اللّه تعالى بما هو أهله و صلّى على النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و على ملائكته و أنبيائه ، فلم يسمع متكلّم قطّ قبله و لا بعده أبلغ في منطق منه ، ثمّ قال : أمّا بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم و عاتبوها ،
الإرشاد ( فارسى ) — صفحة 500
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٥٠٠