و روى اهل السّيرة و علمآء النّقلة : انّ رجلا جآء إلى امير المؤمنين عليه السّلام فقال له يا امير المؤمنين خبّرنى عن اللّه تعالى ارأيته حين عبدته ؟ فقال له امير المؤمنين عليه السّلام : لم اك بالّذي اعبد من لم اره ، فقال له : كيف رأيته [ حين رأيته ] ؟ فقال له : يا ويحك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، معروف بالدّلالات ، منعوت بالعلامات ، لا يقاس بالنّاس و لا تدركه الحواسّ ؛ فانصرف الرّجل و هو يقول :
أللّه اعلم حيث يجعل رسالته ؛ و في هذا الحديث دليل على انّه عليه السّلام كان ينفى عن اللّه عزّ و جلّ رؤية الأبصار .
و روى الحسن بن ابى الحسن البصرىّ قال : جآء رجل إلى امير المؤمنين عليه السّلام بعد انصرافه من حرب صفّين فقال له : يا امير المؤمنين خبّرنا عمّا كان بيننا و بين هؤلاء القوم من الحرب أكان ذلك بقضآء من اللّه تعالى و قدر ؟ فقال له امير المؤمنين عليه السّلام : ما علوتم تلعة و لا هبطتم واديا إلّا و للّه فيه قضاء و قدر ، فقال الرّجل :
فعند اللّه احتسب عنائي يا امير المؤمنين ؟ فقال له : و لم ؟ قال : إذا كان القضاء و القدر ساقانا إلى العمل فما وجه الثّواب لنا على الطّاعة ؟ و ما وجه العقاب لنا على المعصية ؟
فقال له امير المؤمنين عليه السّلام : او ظننت يا رجل انّه قضآء حتم و قدر لازم لا تظنّ ذلك فإنّ القول به مقال عبدة الأوثان و حزب الشّيطان و خصمآء الرّحمن ، و قدريّة هذه الامّة و مجوسها ، انّ اللّه جلّ جلاله امر تخييرا ، و نهى تحذيرا ، و كلّف يسيرا و لم يطع مكرها ، و لم يعص مغلوبا ، و لم يخلق السّماء و الارض و ما بينهما باطلا
( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )
فقال له الرّجل : فما القضآء و القدر الّذى ذكرته يا امير المؤمنين ؟ قال : الامر بالطّاعة ، و النّهى عن المعصية ، و التّمكين من فعل الحسنة ، و ترك السّيّئة و المعونة على القربة إليه و الخذلان لمن عصاه ، و الوعد و الوعيد و التّرغيب و التّرهيب ، كلّ ذلك قضآء اللّه في افعالنا و قدره لأعمالنا ، فأمّا غير ذلك فلا تظنّه ، فإنّ الظّنّ له محبط للأعمال ، فقال الرّجل : فرّجت عنّى يا أمير المؤمنين فرّج اللّه عنك و انشأ يقول :
انت الإمام الّذى نرجو بطاعته * يوم المآب من الرّحمن غفرانا
اوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربّك بالإحسان إحسانا