و قال العبّاس بن عبد المطّلب رضى اللّه عنه في هذا المقام :
1 - نصرنا رسول اللّه في الحرب تسعة * و قد فرّ من قد فرّ عنه فأقشعوا
2 - و قولى إذا ما الفضل شدّ بسيفه * على القوم اخرى يا بنىّ ليرجعوا
3 - و عاشرنا لاقى الحمام بنفسه * لما ناله في اللّه لا يتوجّع
يعنى به أيمن بن امّ ايمن .
و لمّا راى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هزيمة القوم عنه قال للعبّاس رضى اللّه عنه و كان رجلا جهوريّا صيّنا : « ناد بالقوم و ذكّرهم العهد » فنادى العبّاس بأعلى صوته : يا أهل بيعة الشّجرة ! يا أصحاب سورة البقرة إلى أين تفرّون ؟ اذكروا العهد الّذى عاهدتم عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و القوم على وجوههم قد ولّوا مدبرين ، و كانت ليلة ظلمآء و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الوادى ، و المشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادى و جنباته و مضائقه مصلتين بسيوفهم و عمدهم و قسيّهم . قالوا : فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى النّاس ببعض وجهه في الظّلمآء فأضاء كأنّه القمر ليلة البدر ، ثمّ نادى المسلمين :
« أين ما عاهدتم اللّه عليه ؟ »
فاسمع أوّلهم و آخرهم فلم يسمعها رجل إلّا رمى بنفسه إلى الأرض فانحدروا الى حيث كانوا من الوادى حتّى لحقوا بالعدوّ فواقعوه .
قالوا : و أقبل رجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم إذا أدرك ظفرا من المسلمين أكبّ عليهم ، و إذا فاته النّاس رفعه لمن وراءه من المشركين فاتّبعوه و هو يرتجز و يقول :
أنا أبو جرول لا براح * حتّى نبيح القوم أو نباح
فصمد له أمير المؤمنين عليه السّلام فضرب عجز بعيره فصرعه ، ثمّ ضربه فقطّره ثمّ قال :
قد علم القوم لدى الصّباح * أنّى في الهيجاء ذو نضاح
فكانت هزيمة المشركين بقتل أبى جرول لعنه اللّه ثمّ التأم المسلمون و صفّوا للعدوّ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :
« اللّهمّ إنّك أذقت أوّل قريش نكالا فأذق آخرها نوالا » ، و تجالد المسلمون و المشركون فلمّا رآهم النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله قام في ركابى سرجه حتّى أشرف على جماعتهم و قال : « الآن حمى الوطيس » .
أنا النّبىّ لا كذب * انا بن عبد المطّلب
فما كان بأسرع من أن ولّى القوم أدبارهم ، و جىء بالأسرى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكتّفين .
و لمّا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام أبا جرول و خذل القوم لقتله وضع المسلمون سيوفهم فيهم و أمير المؤمنين عليه السّلام يقدّمهم حتّى قتل أربعين رجلا من القوم ، ثمّ كانت الهزيمة و الأسر حينئذ ؛