وصار الناس اليوم في الدنيا إلى خمسة مذاهب ، فالخامس : هو
مذهب الداوودية . فحق على طالب العلم أن يعرف أولاهم بالتقليد ،
ليحصل على مذهبه . وها نحن نبين أن مالكا رحمه الله هو ذلك ، لجمعه
أدوات الإمامة وكونه أعلم القوم .
ثم وجه القاضي دعواه ، وحسنها ونمقها ، ولكن ما يعجز كل واحد من
حنفي ، وشافعي ، وحنبلي ، وداوودي ، عن ادعاء مثل ذلك لمتبوعه ، بل
ذلك لسان حاله ، وإن لم يفه به .
ثم قال القاضي عياض : وعندنا ولله الحمد لكل إمام من المذكورين
مناقب ، تقضي له بالإمامة ( 1 ) .
قلت : ولكن هذا الامام الذي هو النجم الهادي قد أنصف ، وقال قولا
فصلا ، حيث يقول : كل أحد يؤخذ من قوله ، ويترك ، إلا صاحب هذا القبر
صلى الله عليه وسلم .
ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقها ، وسعة علم ، وحسن قصد ،
فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله ، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير
هامش
( 1 ) راجع الفصل الذي كتبه القاضي عياض في " ترتيب المدارك " 1 / 89 ، 102 في
ترجيح مذهب الامام على غيره من الأئمة ، فإنك ستعلم أن الإمام الذهبي كان محقا في تعقبه
ونقده في مواطن من كلامه ، فقد كتب هذا الفصل يدافع التعصب المقيت الحامل على الغلو
والاطراء في المدح ، وإضفاء صفة الكمال والعصمة لغير من هي له ، ونسبة أقوال إلى غيره من
الأئمة لا تصح عنهم ، يلزم عنها الطعن فيهم والنبيل منهم ، فالامام مالك رحمه الله مع كونه
صاحب فضل وعلم ، واجتهاد وورع ، هو كغيره من الأئمة المجتهدين ، يصيب ويخطئ ، فإن
أصاب فله أجران ، وإن أخطأ ، فله أجر واحد ، وقد انتقده غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد
وغيرهما في أكثر من مسألة وبينوا أن الصواب في غير ما ذهب إليه ، وذلك مدون في مظانه من كتب
الخلاف ، وجاء في " حلية الأولياء " 6 / 323 عن سعيد بن سليمان قال : قلما سمعت مالكا يفتي
بشئ إلا تلا هذه الآية : ( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) ولست أشك في أن الامام مالكا لو
رأى الذي كتبه القاضي عياض لتبرأ منه ، وأنحى بالأئمة عليه .