قلت : يعني بتكرار طرق الأحاديث ، فأما المتون الاحكامية التي رواها
فما تبلغ عشر ذلك .
وذكر البخاري هنا فصلا حسنا عن رجاله ، وإبراهيم بن سعد ، وصالح
ابن كيسان ، فقد أكثرا عن ابن إسحاق . قال البخاري : ولو صح عن مالك
تناوله من ابن إسحاق ، فلربما تكلم الانسان ، فيرمي صاحبه بشئ واحد ، ولا
يتهمه في الأمور كلها . قال : وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح :
نهاني مالك عن شيخين من قريش ، وقد أكثر عنهما في " الموطأ " وهما ممن
يحتج بهما ، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم ، نحو ما
يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي ، وكلام الشعبي في عكرمة وفيمن كان
قبلهم ، وتناول بعضهم في العرض والنفس ، ولم يلتفت أهل العلم في هذا
النحو إلا ببيان وحجة ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة ، والكلام في
هذا كثير .
قلت : لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر ،
ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة ( 1 ) ، وقد علم أن
كثيرا من كلام الاقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به ( 2 ) ، ولا سيما إذا وثق
هامش
( 1 ) الإحنة : الحقد في الصدر .
( 2 ) جاء في " طبقات الشافعية " للعلامة التاج السبكي في ترجمة أحمد بن صالح المصري :
1 / 188 ، ما نصه : " الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم " الجرح مقدم على التعديل " على
إطلاقها ، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه ، وندر جارحوه ، وكانت هناك قرينة
دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره ، لم يلتفت إلى جرحه " .
وفيه أيضا : 1 / 190 : " قد عرفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح ، وإن فسره في حق من
غلبت طاعاته على معاصيه ، ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه ، إذا كانت هناك منافسة
دنيوية ، كما يكون بين النظراء أو غير ذلك ، وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة ،
وابن أبي ذئب وغيره في مالك ، وابن معين في الشافعي ، والنسائي في أحمد بن صالح ونحوه . ولو
أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة ، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه
هالكون " .