مخالفا للاجماع ، ولا للسنة ، وإنما مراد إسحاق : أنهم إذا اجتمعوا على
مسألة فهو حق غالبا ، كما نقول اليوم : لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة
الاجتهاد الأربعة على خلافه ، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون
إجماع الأمة ، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها .
ومن غرائب ما انفرد به الأوزاعي : أن الفخذ ليست في الحمام عورة ،
وأنها في المسجد عورة . وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها ، وهي موجودة في
الكتب الكبار ، وكان له مذهب مستقل مشهور ، عمل به فقهاء الشام مدة ،
وفقهاء الأندلس ، ثم فني .
سليمان بن عبد الرحمن ، قال : قال عقبة بن علقمة البيروتي : أرادوا
الأوزاعي على القضا ، فامتنع وأبى ، فتركوه .
وقال الأوزاعي : من أكثر ذكر الموت ، كفاه اليسير ، ومن عرف أن
منطقه من عمله ، قل كلامه .
أبو صالح كاتب الليث : عن الهقل بن زياد ، عن الأوزاعي : أنه وعظ ،
فقال في موعظته : أيها الناس ! تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على
الهرب من نار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، فإنكم في دار ، الثواء فيها
قليل ، وأنتم مرتحلون وخلائف بعد القرون ، الذين استقالوا من الدنيا
زهرتها ، كانوا أطول منكم أعمارا ، وأجد أجساما ، وأعظم آثارا ، فجددوا
الجبال ، وجابوا الصخور ( 1 ) ، ونقبوا في البلاد ، مؤيدين ببطش شديد ،
وأجسام كالعماد ، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم ، وعفت آثارهم ،
وأخوت منازلهم ، وأنست ذكرهم ، فما تحس منهم من أحد ، ولا تسمع لهم
هامش
( 1 ) جابوا الصخور : نقبوها . قال الله تعالى : * ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) * [ الفجر :
9 ] . قال الفراء : جابوا : خرقوا الصخر فاتخذوه بيوتا . انظر : " لسان العرب " .