آخر أمري ؟ قالوا : تقعد معلما فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة . قلت : وهذا لا
عاقبة له . قلت : فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني ؟ قالوا : تمدح
هذا فيهب لك ، أو يخلع عليك ، وإن حرمك هجوته . قلت : لا حاجة فيه .
قلت : فإن نظرت في الكلام ، ما يكون آخر أمره ؟ قالوا : لا يسلم من نظر في
الكلام من مشنعات الكلام ، فيرمي بالزندقة ، فيقتل ، أو يسلم مذموما .
قلت : قاتل الله من وضع هذه الخرافة ، وهل كان في ذلك الوقت وجد
علم الكلام ؟ ! .
قال : قلت : فإن تعلمت الفقه ؟ قالوا : تسأل وتفتي الناس ، وتطلب
للقضاء ، وإن كنت شابا ، قلت : ليس في العلوم شئ أنفع من هذا ، فلزمت
الفقه وتعلمته .
وبه إلى ابن كأس ، حدثني جعفر بن محمد بن خازم ، حدثنا الوليد بن
حماد ، عن الحسن بن زياد ، عن زفر بن الهذيل ، سمعت أبا حنيفة يقول :
كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع ، وكنا نجلس
بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان ، فجاءتني امرأة يوما فقالت لي : رجل
له امرأة أمة ، أراد أن يطلقها للسنة ، كم يطلقها ؟ فلم أدرما أقول . فأمرتها أن
تسأل حمادا ، ثم ترجع تخبرني . فسألته ، فقال : يطلقها وهي طاهر من
الحيض والجماع تطليقة ، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين ، فإذا اغتسلت فقد
حلت للأزواج . فرجعت ، فأخبرتني ، فقلت : لا حاجة لي في الكلام ،
وأخذت نعلي فجلست إلى حماد ، فكنت أسمع مسائله ، فأحفظ قوله ، ثم
يعيدها من الغد فأحفظها ، ويخطئ أصحابه . فقال : لا يجلس في صدر
الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة . فصحبته عشر سنين . ثم نازعتني نفسي
الطلب للرئاسة ، فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي . فخرجت يوما
سير أعلام النبلاء — صفحة 397
مساهمون: الذهبي
ص٣٩٧