بأن يعظ تحت النسر ( 1 ) يوم الجمعة وقت جلوس الحافظ ، فأول ذلك أن
الناصح والحافظ أرادا أن يختلفا الوقت ، فاتفقا أن الناصح يجلس بعد
الصلاة ، وأن يجلس الحافظ العصر ، فدسوا إلى الناصح رجلا ناقص العقل
من بني عساكر فقال للناصح في المجلس ما معناه : إنك تقول الكذب على
المنبر ، فضرب وهرب ( 2 ) ، فتمت مكيدتهم ، ومشوا إلى الوالي وقالوا :
هؤلاء الحنابلة قصدهم الفتنة ، واعتقادهم يخالف اعتقادنا ، ونحو هذا ، ثم
جمعوا كبراءهم ومضوا إلى القلعة إلى الوالي ، وقالوا : نشتهي أن تحضر عبد
الغني ، فانحدر إلى المدينة خالي الموفق ، وأخي الشمس البخاري ،
وجماعة ، وقالوا : نحن نناظرهم ، وقالوا للحافظ : لا تجئ فإنك حد ( 3 )
نحن نكفيك ، فاتفق أنهم أخذوا الحافظ وحده ، ولم يدر أصحابنا فناظروه ،
واحتد وكانوا قد كتبوا شيئا من الاعتقاد ، وكتبوا خطوطهم فيه وقالوا له : اكتب
خطك فأبى ، فقالوا للوالي : الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شئ وهو
يخالفهم ، واستأذنوه في رفع منبره ( 4 ) ، فبعث الاسرى ( 5 ) فرفعوا ما في جامع
دمشق من منبر وخزانة ودرابزين ( 6 ) ، وقالوا : نريد أن لا تجعل في الجامع إلا
صلاة الشافعية وكسروا منبر الحافظ ، ومنعونا من الصلاة ففاتتنا صلاة الظهر ،
هامش
( 1 ) يعني تحت قبة النسر من جامع دمشق الأموي .
( 2 ) نقل ابن رجب عن الضياء أن هذا الرجل قد خبئ في الكلاسة بعد هروبه .
( 3 ) يعني حاد ، من الحدة ، وهو ما يعتري الانسان من النزق والغضب .
( 4 ) وكان الوالي لا يفهم شيئا ، نقل ذلك ابن رجب عن الحافظ الضياء .
( 5 ) هكذا في الأصل وفي الذيل لابن رجب ، والظاهر أنه اسم لجماعة من أعوان الوالي من
الشرطة أو الجيش .
( 6 ) الدرابزين : كلمة أصلها يونانية ، وهو حاجز على جانبي السلم أو غيره يستعين به
الصاعد ويحميه من السقوط ( انظر المحيط ومعجم دوزي : 4 / 313 ) .