وقال الموفق عبد اللطيف : كانوا ثلاثة أخوة :
أحدهم : خدم بالإسكندرية ، وخلف من الخواتيم صناديق ، ومن
الحصر والقدور بيوتا مملوءة ، وكان متى سمع بخاتم ، سعى في تحصيله .
وأما الآخر : فكان له هوس مفرط في تحصيل الكتب ، عنده نحو
مئتي ألف كتاب .
والثالث : القاضي الفاضل كان ذا غرام بالكتابة وبالكتب أيضا ، له
الدين ، والعفاف ، والتقى ، مواظب على أوراد الليل والصيام والتلاوة .
لما تملك أسد الدين ، أحضره ، فأعجب به ، ثم استخلصه صلاح الدين
لنفسه ، وكان قليل اللذات ، كثير الحسنات ، دائم التهجد ، يشتغل بالتفسير
والأدب ، وكان قليل النحو ، لكنه له دربة قوية ، كتب من الانشاء ما لم يكتبه
أحد ، أعرف عند ابن سناء الملك من إنشائه اثنين وعشرين مجلدا ، وعند
ابن القطان عشرين مجلدا ، وكان متقللا في مطعمه ومنكحه وملبسه ، لباسه
البياض ، ويركب معه غلام وركابي ، ولا يمكن أحدا أن يصحبه ، ويكثر
تشييع الجنائز ، وعيادة المرضى ، وله معروف معروف في السر والعلانية ،
ضعيف البنية ، رقيق الصورة ، له حدبة يغطيها الطيلسان ، وكان فيه سوء
خلق يكمد به نفسه ، ولا يضر أحدا به ، ولأصحاب العلم عنده نفاق ،
يحسن إليهم ، ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالاحسان أو الاعراض
عنهم ، وكان دخله ومعلومه في العام نحوا من خمسين ألف دينار سوى متاجر
الهند والمغرب . توفي مسكوتا ( 1 ) ، أحوج ما كان إلى الموت عند تولي
الاقبال وإقبال الادبار ، وهذا يدل على أن لله به عناية .
هامش
( 1 ) يعني : فجاءة ، وهو ما يعرف في عصرنا بالسكتة القلبية .