قلت : وحضر وفاته القاضي الفاضل .
وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة ( 1 ) : إنني انتهيت في القراءة إلى
قوله تعالى : * ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ) *
[ الحشر : 22 ] فسمعت صلاح الدين ، وهو يقول : صحيح . وكان ذهنه
قبل ذلك غائبا ( 2 ) ، ثم مات ، وغسله الخطيب الدولعي ، وأخرج في
تابوت ، فصلى عليه القاضي محيي الدين ابن الزكي ، وأعيد إلى الدار التي
في البستان التي كان متمرضا فيها ، ودفن في الصفة ، وارتفعت الأصوات
بالبكاء ، وعظم الضجيج ، حتى إن العاقل ليخيل له أن الدنيا كلها تصيح
صوتا واحدا ، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه ، وتأسف الناس عليه
حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه . ثم بنى ولده الأفضل قبة شمالي
الجامع ، ونقله إليها بعد ثلاث سنين ، فجلس هناك للغراء ثلاثا .
وكان شديد القوى ، عاقلا ، وقورا ، مهيبا ، كريما ، شجاعا .
وفي ( الروضتين ) لأبي شامة ( 3 ) : أن السلطان لم يخلف في خزانته
من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ، ودينارا صوريا ، ولم يخلف
ملكا ولا عقارا رحمه الله ، ولم يختلف عليه في أيامه أحد من أصحابه ، وكان
الناس يأمنون ظلمه ، ويرجون رفده ، وأكثر ما كان يصل عطاؤه إلى
الشجعان ، وإلى العلماء ، وأرباب البيوتات ، ولم يكن لمبطل ولا لمزاح
عنده نصيب .
هامش
( 1 ) كان الشيخ أبو جعفر قد استدعي ليبيت عنده يقرأ القرآن ، ويلقنه الشهادة عند حضور
الوفاة ، وتوفي أبو جعفر هذا سنة 596 ، وستأتي ترجمته ( رقم : 156 ) .
( 2 ) وتمام الخبر أن القاضي الفاضل جاءه عند أذان الصبح ، وكان في آخر رمق ، فلما قرأ
القارئ ( لا إله إلا هو عليه توكلت ) ، تبسم ، وتهلل وجهه ، وأسلم روحه إلى ربه سبحانه .
( 3 ) ( الروضتين ) .