وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نازل صلاح الدين الموصل ، وترددت
الرسل بينه وبين صاحبها عز الدين ، وتمرض ، وتأخر إلى حران ، واشتد
مرضه ، وحلفوا لأولاده بأمره ( 1 ) ، وأوصى عليهم أخاه العادل ( 2 ) ، ثم مر
بحمص ، وقد مات صاحبها ناصر الدين محمد ( 3 ) ، ابن عمه ، فأعطاها
لولده المجاهد شيركوه وله ثنتا عشرة سنة .
وفي سنة ثلاث وثمانين افتتح صلاح الدين بلاد الفرنج ، وقهرهم ،
وأباد خضراءهم ، وأسر ملوكهم على ( حطين ) . وكان قد نذر أن يقتل
أرناط ( 4 ) صاحب الكرك ، فأسره يومئذ ، كان قد مر به قوم من مصر في حال
الهدنة ، فغدر بهم ، فناشدوه الصلح ، فقال ما فيه استخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم ،
وقتلهم ، فاستحضر صلاح الدين الملوك ، ثم ناول الملك جفري ( 5 ) شربة
جلاب ثلج ، فشرب ، فناول أرناط ، فشرب ، فقال السلطان للترجمان :
قل لجفري : أنت الذي سقيته ، وإلا أنا فما سقيته ، ثم استحضر البرنس
أرناط في مجلس آخر ، وقال : أنا أنتصر لمحمد صلى الله عليه وسلم منك ، ثم عرض عليه
الاسلام ، فأبى ، فحل كتفه بالنيمجاه ( 6 ) . وافتتح عامه ما لم يفتحه ملك ،
وطار صيته في الدنيا ، وهابته الملوك .
ثم وقع النوح والمأتم في جزائر البحر وإلى رومية ، ونودي بالنفير إلى
هامش
( 1 ) يعني حلف الناس لأولاد صلاح الدين وذلك بسبب اشتداد المرض عليه .
( 2 ) يريد : جعله وصيا عليهم .
( 3 ) قيل : مات من كثرة شرب الخمر ، وقيل إن السلطان دس له من سمه ، وكلها إشاعات
ترد عند المؤرخين .
( 4 ) هو الأمير رينو دي شاتيلون Prince Renaud de Chatillon
( 5 ) وهو : Geoffri de Lusignan
( 6 ) النيمجاه : خنجر مقوس يشبه السيف القصير ، وهو معرب ( نيمجه ) ( راجع تعليق
المرحوم الشيال على سيرة صلاح الدين : 79 وراجع مستدرك دوزي ) .