وركب السلطان إلى مخيمه ، ودمه يسيل على خده ، واحتجب في بيت
خشب ، وعرض جنده ، فمن أنكره ، أبعده .
قال الموفق عبد اللطيف : أتيت ، وصلاح الدين بالقدس ، فرأيت
ملكا يملا العيون روعة ، والقلوب محبة ، قريبا بعيدا ، وسهلا ، محببا ،
وأصحابه يتشبهون به ، يتسابقون إلى المعروف كما قال تعالى : * ( ونزعنا ما
في صدورهم من غل إخوانا ) * [ الحجر : 47 ] وأول ليلة حضرته وجدت
مجلسه حفلا بأهل العلم يتذاكرون ، وهو يحسن الاستماع والمشاركة ،
ويأخذ في كيفية بناء الأسوار ، وحفر الخنادق ، ويأتي بكل معنى بديع ،
وكان مهتما في بناء سوربيت المقدس وحفر خندقه ، ويتولى ذلك بنفسه ،
وينقل الحجارة على عاتقه ، ويتأسى به الخلق حتى القاضي الفاضل ،
والعماد إلى وقت الظهر ، فيمد السماط ، ويستريح ، ويركب العصر ، ثم
يرجع في ضوء المشاعل ، قال له صانع : هذه الحجارة التي تقطع من
أسفل الخندق رخوة ، قال : كذا تكون الحجارة التي تلي القرار والنداوة ،
فإذا ضربتها الشمس ، صلبت . وكان يحفظ ( الحماسة ) ، ويظن أن كل
فقيه يحفظها ، فإذا أنشد ، وتوقف ، استطعم فلا يطعم ، وجرى له ذلك مع
القاضي الفاضل ، ولم يكن يحفظها ، وخرج ، فما زال حتى حفظها ،
وكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارا في الشهر ، وأطلق أولاده لي رواتب ،
فأشغلت بجامع دمشق .
وكان أبوه ذا صلاح ، ولم يكن صلاح الدين بأكبر أولاده .
وكان صلاح الدين شحنة دمشق ، فكان يشرب الخمر ، ثم تاب ،
وكان محببا إلى نور الدين يلاعبه بالكرة .
سير أعلام النبلاء — صفحة 282
مساهمون: الذهبي
ص٢٨٢